إذا كان توينبي يعتبر أول من غرس فكرة صدام الحضارات وهو المفهوم الموجه في الأساس إلى النظر للعلاقة مع العالم الإسلامي، فإن التطور الأبرز على صعيد المفهوم في نسخته المعاصرة إنما يمكن إرجاعه بشكل أساسي إلى المستشرق الأميركي البريطاني برنارد لويس الذي أشتهر باتخاذ مواقف عدائية تجاه الإسلام والمسلمين.
فقد استخدم لويس المفهوم نفسه منذ أكثر من أربعة عقود مضت وبالتحديد عام 1957 في دراسة له قدمها إلى مؤتمر «التوتر في الشرق الأوسط» نظمته جامعة جون هوبكنز الأميركية وأعاد نشرها في كتابه الأخير »من بابل إلى التراجمة« حيث أشار لويس إلى أن صدام الحضارات يفسر أسباب الكراهية من قبل دول المنطقة للولايات المتحدة رغم عدم وجود ماض سلبي لها مع المنطقة، مؤكدا على أنه يمكن استيعاب هذا الفهم حسب كلماته إذا نظرنا إلى الموقف على أنه ليس صراعا بين دول أو أمم وإنما صداما بين حضارات.
بل ويعيد لويس في دراسته المشار إليها التأكيد على طرحه مشيرا إلى أنه في تحليله للأوضاع في المنطقة ومحاولة استيعاب أبعاد الكراهية للسياسة الأميركية إنما حاول أن يرتقي بمستوى النقاش بشأن تناول النزاعات في الشرق الأوسط من مستوى نزاع بين دول إلى مستوى صدام بين حضارات.
وقد عزز لويس مفهومه هذا من خلال عملين تاليين له هما كتابه حول ثقافات في صراع كٌُِِّّّْمَّ يَ كَُنٌيكُّ ومقالته الشهيرة حول جذور الغضب الإسلامي التي نشرها في «الأتلانتك منثلي» عام 1990 والتي يرى الكثيرون أنها تعد المقدمة الأساسية التي بني عليها هنتنجتون نظريته في صدام الحضارات.
وفي صدد تقديمه للمفهوم بشأن صدام الحضارات في «جذور الغضب الإسلامي» يقول لويس إن زعماء الأصوليين لا يخطئون عندما يرون أن الحضارة الغربية هي أكير تحد يواجه أسلوب الحياة الذي يرغبون في انتهاجه أو استعادته لشعبهم.. ويجب أن يكون واضحا الآن أننا في مواجهة حالة وحركة تتجاوز بكثير مستوى القضايا والسياسات والحكومات التي تتابعها.. إن هذا ليس أقل من صدام بين الحضارات .. ربما يكون غير عقلاني ولكنه بالتأكيد رد فعل طبيعي لمنافسة قديمة ضد تراثنا اليهودي المسيحي وحاضرنا العلماني والامتداد العالمي لكليهما.
ويرتب لويس على ذلك نتائج خطيرة بقوله أنه ليس من المستبعد أن تخف حدة الكراهية التي يكنها المسلمون إزاء الولايات المتحدة إلا إذا تغير الإسلام نفسه وهو ما يعني أنه على الولايات المتحدة أن تتخلى عن التفاهم أو التقرب مع المسلمين وإلا أسي فهمها إذ قد يفسرون هذا السلوك على انه علامات ضعف وخشية تساور أمريكا وليس علامات صداقة أو حسن نوايا.
وفي عبارات شبيهة أوردها هنتنجتون وأشرنا لها في سياق استعراض مقولات توينبي يرجع لويس المزاج الذي يراه ماثلا لدى الكثير من المسلمين من الإعجاب والمنافسة وهو المزاج الذي تحول إلى نوع من الكراهية إلى الشعور بالخزي إزاء القلق المتنامي بين ورثة إمبراطورية مسيطرة لمدة طويلة وقديمة وتبعث على الفخر.
وإزاء تطورات عقد التسعينيات والذي كان من أبرز ملامحه انهيار وتفكك الإتحاد السوفييتي كان طرح هنتنجتون لنظريته مما زاد من مستوى الجدال حولها سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها في ضوء أنها ترسي مجموعة من المفاهيم التي قد تلقي حال الأخذ بها بتأثيرات سلبية على أوضاع النظام الدولي.
ويتمثل جوهر نظرية هنتنجتون في أنه في أعقاب الحرب الباردة سيحكم الصدام بين الحضارات الشؤون السياسية العالمية وستكون الخطوط الفارقة بين الحضارات هي خطوط القتال في المستقبل والحرب العالمية المقبلة إذا نشبت ستكون حربا بين الحضارات. وبمعنى آخر وحسبما يقول هنتنجتون في معرض تقديمه لنظريته فإن خطوط الفصل، بين الحضارات تحل محل الحدود السياسية والأيديولوجية للحرب الباردة باعتبارها النقاط المؤشرة على الأزمة وإراقة الدماء.
ويحدد هنتنجتون : ثمة ارتباط كونفويوشي إسلامي برز لتحدي المصالح والقيم والقوة الغربية ليصل إلى استنتاج أن ثمة بؤرة مركزية للصراع في المستقبل القريب ستكون بين الغرب ومختلف الدول الإسلامية. وهنا فإنه يصف الإسلام بأنه يعادي الغرب إيديولوجيا فضلا عن أن الإسلام له حدود دموية،
وهي العبارة التي رأى فيها البعض ربطا بشكل فاضح بين الدين الإسلامي وإراقة الدماء لا ربطها بأفعال بعض المسلمين. ولعل ذلك يكشف عن أبعاد الانتشار الواسع الذي تكتسبه حالة العداء للغرب ويشير إلى ذهنية مستعدة ومستنفرة لهذا العداء، الأمر الذي يزيده ويفاقم منه بعض الممارسات على صعيدنا الإسلامي.
مصطفى عبد الرازق
