يتحسر الباحثون الجماليون والخطاطون العرب والمسلمون المعاصرون، وبكثير من الأسى والأسف والخوف، لأن مصممي الحروف الطباعيّة العربيّة، وخاصة تلك المبرمجة في الحواسيب، لم يكونوا عرباً، ولا علم لهم بالأبعاد الاجتماعيّة، والدلالات الروحيّة للحروف العربيّة، التي لها أيضاً دلالات أدبيّة متفردة، بل لقد ذهب محي الدين بن عربي إلى وصف الحروف بقوله: انها أمة من الأمم.
هذه الأبعاد الاجتماعيّة والروحيّة والأدبيّة للحروف العربيّة، لا يدركها الغربيون، ولا يتحسسونها، ولغتهم في الأساس، لا تحمل مثل هذه الخصائص والأبعاد والقيم، ما يكرس غربتهم عن اللغة العربيّة التي يقومون بتصميم حروفها الطباعيّة، بشكل آلي، وبما يتوافق ويتلاءم، مع قدرات الآلة التي وضعت في الأساس، من أجل الحرف اللاتيني وليس العربي الذي أقحم عليها إقحاماً.
من مزايا وخواص الحرف العربي، رشاقته، وجماله، وهو منغم، ومتنوع الإيقاع، أم ما نجده في عناوين صحفنا ومجلاتنا وملصقاتنا وإعلاناتنا وأغلفة كتبنا، وعلى شاشات تلفزيوناتنا، من حروف وكتابات منفذة بوساطة الحاسوب، فهي غليظة، وغريبة، يُضاف إلى ذلك أن الحاسوب حوّلها إلى شكل واحد مكرور، ما جعل التمايز والتنافس يغيب عن هيئاتها وأشكالها، وهذه الحروف الغليظة والغريبة، صممها في الأساس، من لا علاقة له بالخط العربي!!
لقد أراد مصممها (ربما عن حسن نية) جعل الكتابة العربية، تتغلب على الكتابة الإفرنجية في هندستها وامتداداها الأفقي، ضمن شرائط منتظمة، لكن غاب عن ذهنه وعلمه وإحساسه، أن الإيقاع الخاص للكتابة العربيّة، وموسيقاها المميزة، يكمنان في عكس ما قصد إليه، عندما وضع بنية الخط وتركيباته وتوازنه العام وليس المباشر.
من جانب آخر، أدى الاستخدام الواسع للحروف الطباعيّة الحاسوبيّة، وفي المجالات كافة، إلى جعل شيوخ الخطاطين وتلاميذهم عاطلين عن العمل، وفي هذا إهدار كبير، لثروة فنيّة كبيرة، وبداية تضييع، لحرفة تراثيّة مهمة رافقت تاريخنا الطويل، وكانت مجالاً رحباً للإبداع والابتكار والتفنن.
يُشير عدد من الباحثين والخطاطين إلى خطر آخر يتربص بالخطوط العربيّة هو اندثار عدد كبير منها، بسبب غياب الخطاطين أنفسهم واندثار آثارهم، خاصة وأن الخط العربي لا يُدرس كمادة أساسيّة في المدارس، والمعاهد المعنية بالتدريب عليه، وتحسين طرزه وأنواعه، لا تزال حتى الآن قليلة جداً، وفي نفس الوقت، أصبح الحاسوب بديلاً للخطاطين في الصحف والمجلات والتلفاز وإعلانات الطرق وآرمات المحال التجاريّة ولافتات الشوارع ..
وغيرها من المجالات التي يُستخدم فيها الخط العربي. كما أن ترك شركات إنتاج الحواسيب الغربية، تُصمم وتحدد أشكال وأنماط الحروف العربيّة، هو الآخر نوع من التفريط في السيادة، لأن أنماط الحروف التي تزودنا بها هذه الشركات الأجنبيّة، تأتي مجافية لروح الخط العربي، وقد جرت محاولات لابتداع تقاليع من الحروف العربيّة تُقلد الحروف اللاتينيّة، ضمن إطار حملة تزعم أن اتصال الحروف العربية هو سبب تخلفنا عن الحضارة الحديثة، وقد رفض مجمع اللغة العربية تلك الطريقة في الكتابة، لأسباب متعددة منها أنها تفصلنا عن تاريخنا، باعتبار طريقة الكتابة جزءاً من هويتنا وتراثنا.
فالخط العربي لا يعتمد على الأفقي أو الهندسي، وكذلك لا يجعل الحروف الرأسيّة عموديّة، بل يجعلها مائلة، وكل هذا جزء من طبيعة العين الشرقية في الرؤية. كذلك فإن الفراغ داخل حروف مثل (م.ص.ق.لا) على سبيل المثال، جزء من شخصية الحرف العربي، وقد وُضع وفق ميزان فني دقيق، دونه تُطمس شخصية الحرف العربي، ويلحقه التشوه والضياع ثم الاندثار.
هذه المخاطر المحدقة بالحرف العربي مجتمعة، يجب أخذها بالاعتبار، والعمل السريع والجاد على تداركها قبل فوات الأوان، وهذه مهمة وطنيّة وقوميّة وفنيّة عاجلة، يجب أن يُساهم فيها الأفراد والمؤسسات الرسمية والخاصة، التي تربطها بالخط العربي علاقة ما.
أما بالنسبة للإشكاليات القائمة بين الخطاطين والتشكيليين الذين يشتغلون على الحرف العربي في أعمالهم، ضمن التيار الحروفي المتنامي الأهمية والحضور الكمي والنوعي، في الحيوات التشكيلية العربيّة والإسلاميّة، فيجب حلها، وتكريس جهود الخطاطين والتشكيليين، لمحاربة الخلل الذي أصاب بنية الحرف العربي الذي جاء مع الحاسوب، وعُمم بوساطته، وبالتالي، تكاتف جهودهم لإعادة النظم والقواعد الأصيلة له، قبل أن يمضي في التيه والضياع الذي لا رجعة منه!!
د. محمود شاهين


