كشف د. زغلول النجار العالم الجيولوجي والداعية الإسلامي أن العالم الإسلامي يمر بمرحلة خطيرة للغاية نظرًا لتعاظم المهددات التي تحيط به، تلك التي اتضحت خلال الحرب الإسرائيلية ـ اللبنانية، وهذا ما يستوجب من المسلمين إعادة النظر في ضرورة التوحد والتكاتف لمواجهة هذه المخاطر التي تهددها، مؤكدًا على أهمية دور الدعاة في الوقت الحالي شريطة أن يكون هذا الداعية معدا بشكل جيد ومؤهلا للتعامل مع مختلف مستجدات العصر.
وأشار د. النجار في حواره لـ «وكالة الصحافة العربية» إلى أنه من الضروري أن يتفهم المسلمون حقيقة دينهم وأصوله الصحيحة تفهما علميًا دون تعصب، وأن تظهر الحضارة الإسلامية السمحة في صورتها الصحيحة البعيدة كل البعد عن تلك المغالطات، التي دأبت وسائل الإعلام الغربية على زرعها ورعايتها بشكل ساهم في تكوين رأي عالمي مضاد لكل ما هو إسلامي.
والتفاصيل في السطور التالية:
* هل حقا جاء ظهورك على الساحة صدفة؟
ـ ظهوري ليس وليدًا للصدفة ولم يكتشفه أحد وكل العالم العربي يعرفني جيدًا، فأنا أمارس الدعوة الدينية منذ ثلاثين عامًا، فقد حصلت على بكالوريوس العلوم قسم «يولويا» في جامعة القاهرة عام 1955 م، ثم سافرت بعدها إلى السعودية وعملت أستاذًا بجامعة الملك سعود بعدها سافرت إلى بريطانيا ونلت شرف الحصول على لقب الدكتوراه، ثم سافرت إلى أميركا وعدت مرة اخرى إلى منطقة الخليج وعملت بها إلى أن تقاعدت عن العمل في عام 1996م، ومن خلال ترحالي هذا كنت أمزج تخصصي العلمي في مجال اليولويا بدعوتي في مجال الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.
* ما سبب اختيارك لدراسة الإعجاز في القرآن؟
ـ لأن العلم وحججه أصبحت شاهد الثقة الوحيد في هذا الزمان، ولأننا من خلال العلم تمكنا من الغوص في أعماق البحار وارتياد الفضاء واستطعنا أيضًا أن نتعامل مع الذرة والشفرة الوراثية، لذلك فالعلم لا يختلف عليه اثنان، وقد حدث هذا من خلال الندوات والمؤتمرات التي عقدت في مختلف بلدان العالم وكان آخرها المؤتمر السنوي الأخير للإعجاز العلمي الذي عقد في جامعة موسكو بقاعة جورباتشوف، عندما أوضح رئيس الجماعة اعتقاده بعدم وجود الألوهية في هذا الكون، وأن وجوده جاء بمحض الصدفة، ولكن بعدما شارك في هذا المؤتمر تأكد له أنه لا إله إلا الله لهذا الكون.
الآيات الكونية
* هل يسهل على الفرد فهم القرآن من منظوره العلمي؟
ـ ما ننادي به هو ضرورة خدمة الآيات الكونية بتوظيف العلم، وهو أمر يقتضي التثقيف العلمي لجميع المسلمين لافتقارنا لهذا النوع من التثقيف، وهو ما يجعل البعض يفزع من الأرقام التي تفسر الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، ونحن هنا نتحدث عن حقائق قائمة يمكن قياسها وإداركها، ولذلك يتحتم على المسلمين تفهم هذا الدين على أصوله الصحيحة تفهمًا علميًا دون التعصب والتشدد.
* هل هنالك ما يدعو إلى الخوف من التطور العلمي؟
ـ ليس هناك أدنى شك في هذا التطور العلمي اللحظي، لأنه من ضوابط التعامل مع الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، فالإعجاز تحد يستوجب الوقوف على أرض صلبة، ونحن هنا لا نوظف الحقائق الثابتة، وقضية «الخلق» تعتبر قضية غيبية يصفها الله تعالى في قوله «ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم»، فخلق الكون والإنسان والحياة أمر غيبي لا يستطيع العلم التجريبي أن يجزم بحقيقته، ولكن يبقى القرآن الكريم الذي يتحدث عن خلق الكون في خمس آيات نرتقي فيها إلى مقام الحقيقة.
* مناظرات حوار الأديان، بماذا أفضت إليك؟
ـ لقد حرصت من خلال هذه المناظرات على إبراز حضارة الإسلام وسماحة هذا الدين العظيم، وتعرف الكثيرون في اوروبا وأميركا على حقيقة الدين الإسلامي من خلال مشاركتي في حوارات كثيرة لأديان مختلفة، وأذكر منها مناظرة ثلاثية ضمتني ورجلا يهوديا وآخر مسيحيا، حضرها عدد كبير من الطلاب، كما قامت بنقلها محطات التليفزيون البريطاني،
كما أذكر أيضًا أنني كلفت من قبل جامعة الملك فهد بمحاضرة عدد من الجنود الأميركان إبان حرب الخليج، وعرضت من خلال هذه المحاضرة تاريخ المنطقة العربية والإسلام وقد كانت نتائج هذه المناظرة والمحاضرات أن أسلم عددا كبيرا من الأميركيين وأسرهم، وقد شاهدت ذلك من خلال أدائي لفريضة الحج أكثر من مرة معهم.
حوار الأديان
* حوار الأديان ما مدى أهميته في الوقت الراهن؟
ـ حوار الأديان أصبح ضرورة حتمية بعد أن أصبح العالم عبارة عن قرية صغيرة، ولكن يشترط في هذا الحوار أن يبنى على المصارحة حتى يحقق الغرض منه في التعايش بين الحضارات، لذلك يجب علينا الاستعداد له بنموذج إسلامي أمثل في سلوكيات ومفاهيم المسلم وفي عمله بعقيدته.
* ما أقوى الآيات القرآنية في الإعجاز العلمي؟
ـ إن بقاء القرآن نفسه بهذا الصفاء على مدى 14 قرنًا يعد إعجازًا، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حينما يأتيه الوحي يتعجل بتلاوة ما جاءته من آيات خوفًا من النسيان، لذلك جاء قول الله تعالى «لاتحرك به لسانك لتعجل به» وهو ما يؤكد أن الذي حفظ القرآن الكريم هو الله في قوله «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».
أعداء النجاح
* قيل إنك تسعى إلى الشهرة.
ماذا تقول؟
ـ هؤلاء هم أعداء النجاح وهم موجودون في مختلف المجالات، فقد هاجموا من قبل د. عمر عبد الكافي وفضيلة الشيخ متولي الشعراوي رحمه الله، وأقول لهم أنا لا أسعى للشهرة فقد بلغت من العمر 69 عاما وكل ما أريده هو أن ألقى ربي وهو راضٍ عني وأن أكون قد خدمت القرآن الكريم بكل ما آتاني الله به من علم.
* في رأيك، هل تناول الغربيون الإسلام بموضوعية؟
ـ هنالك عدد كبير الآن من المفكرين الغربيين يقبلون على الإسلام، فقد حضرت مؤتمرا في جامعة لندن في عام 1999م عن القرآن حضره عدد كبير من المستشرقين، وهزني أن الاستشراق بدأ حركة معادية للإسلام وأن كبارهم لا يزال عداؤهم للإسلام واضحا، أما شباب المستشرقين فقد أقبلوا على الإسلام بمجرد القراءة، وقد شارك في المؤتمر 17 أستاذًا من الغربيين الذين آمنوا بالإسلام، دينًا من خلال القراءة، وقد شاء الله أن يكونوا هم حركة مضادة لما أحدثته حركة الاستشراق.
* هنالك انحدار مادي وتدن أخلاقي غربي فما سببه في رأيك؟
ـ ينطلق الإنسان الغربي للبحث في هذه الدنيا وفي أمور الحياة بغير، إيمان أو خلفية مرجعية في الخفايا التي لا يستطيع عقله أن يوصله فيها إلى تصور صحيح، متحررًا من القيود ومنطلقًا من التفكير لذلك من الطبيعي أن ينقاد إلى المادة لتكون كل شيء، والهدف من الحياة، وهنا أيضًا يبرز دور الشيطان الذي يدفع الإنسان إلى المبالغة حتى يصل إلى حد الإسفاف والخروج عن الفطرة، لذلك ليس غريبًا أن تقنن البرلمانات الأوربية الشذوذ والاستنساخ وإجراء التجارب على الأجنة الحية، وغير ذلك من القضايا البعيدة تمامًا عن الإنسانية وشفافيتها.
حال الأمة
* كيف ترى حال الأمة الإسلامية الآن؟
الأمة الإسلامية تمر بمنعطف خطير للغاية لم يبق أن مرت به، وربما تأتي الحرب الإسرائيلية على لبنان لتؤكد صحة كلامي، حيث وقفت المقاومة اللبنانية صامدة أمام الاجتياح الإسرائيلي الغاشم المدعوم من المارد الأميركي، والمسلمون يصرون على المشاهدة والامتناع عن أخذ موقف جاد يقوي من الموقف اللبناني، واستمر الوضع حتى أقرت إسرائيل بعدم قدرتها على الحصول على مبتغاها عن طريق الحرب، وجاءت مرحلة التفاوض الدبلوماسي، ليجد أصحاب القضية من العرب والمسلمون ضعافًا أمام أنفسهم قبل أن يكونوا ضعافًا أمام إسرائيل وأعوانها، ومن هنا كان القرار الذي يصب في مصلحة الجانب الإسرائيلي.
* ولماذا كل هذا التشاؤم الذي يسيطر عليك؟
ـ لست متشائمًا، فالمسلم لا يعرف التشاؤم لكن حالة الأمة سيئة دون شك ولا أتخيل أنها مرت بمرحلة في تاريخها الطويل أسوأ مما تمر به الآن، ونحن لعبنا دورًا في هذا لأننا أهملنا قضايانا الأساسية على مدى الخمسين سنة الماضية، ولم ندرك تطور الأحداث من حولنا سواء على أرض فلسطين المحتلة أو على مستوى العالم كله، فوصلنا إلى ما وصلنا إليه من ضياع، نحن أضعف دول العالم الآن وأقلها إمكانات وكثير من الدول التي كانت أسوأ حالاً منا سبقتنا كثيرًا، ورغم أن البلاد العربية والإسلامية بدأت سويا مع الصين والهند وكانتا أسوأ حالاً منا، إلا أنه الآن تقدمت هذه الدول ولا نزال نحن في مؤخرة الركب الحضاري في العصر الحديث.
والتخلف الذي أقصده ليس اقتصاديا وسياسيا فحسب بل عام ويشمل كل قضايا الأمة، فكما تخلفنا سياسيًا، تخلفنا اقتصاديا وتقنيًا وسلوكيا وأخلاقيًا أيضًا، فتجريد مناهج التعليم من القدر الكافي من التعاليم الإسلامية أوصلت الشباب إلى حالة من الضياع، وملء وسائل الإعلام بالتافه والسطحي من الأمور جعل الشباب لا يجدون مصدرًا نقيًا للتربية القويمة وللسلوكيات العامة حتى وصل أغلبهم إلى حالة من الضياع.
السبيل الآن
* وما السبيل للخروج من هذا النفق المظلم؟
ـ لابد من الوحدة والتقارب الإسلامي، خاصة وأننا نعيش الآن عصر التكتلات، ودائمًا تؤكد الأحداث أن البقاء لن يكون في عالم المستقبل القريب إلا للتجمعات الكبرى التي رأت في تكتلها مصلحة حيوية لا يمكن إدراكها إلا بالتقارب والتوحد، وعلماء الاجتماع يؤكدون على هذا الأمر بقولهم إنه لم يعد هناك مجال لتجمع بشري أقل من 300 إلى 400 مليون نسمة لكي تكون له بصمة على مجريات الأحداث،
ولتكون اوروبا نموذجًا حيًا أمام كل العرب والمسلمين، حيث تجمعت وتوحدت لتحمي نفسها من المارد الأميركي، في الوقت الذي يرفض فيه المسلمون فكرة التقارب والتوحد رغم توافر عوامل نجاح هذه الوحدة من عقيدة واحدة وآمال مشتركة، وطموحات مستقبلية موحدة، ولذلك على حكام البلاد الإسلامية أن يبحثوا عن الصيغة المناسبة لتكوين تجمع إسلامي يمتلك القدرة على التفاعل مع العالم الخارجي من منطلق الآمال والطموح التي يسعى وراءها كل المسلمين، وكذلك على الحكام العرب أن يدركوا أحلام شعوبهم من الوصول إلى مشروع وحدوي عربي تحت مظلة جامعة الدول العربية «بيت العرب» وتكون آلياته سوقًا مشتركة ومحكمة واحدة وجيشا قادرا على رد العدوان وردعه.
* كيف ترى دور الدعاة والمفكرين في التأصيل لهذه الحلول المقترحة؟
ـ دور الدعاة والمفكرين مهم للغاية لما يمتلكون من أدوات قادرة على تأهيل الأفراد وتبسيط السبل وتوصيفها لخلق أرضية خصبة صالحة، لأن تنمو فيها كل هذه الأحلام والآمال في جو من الأمن والاستقرار والهدوء، فالداعية اليوم أصبح أكثر الحاحًا مما كان عليه في الماضي، ولذلك على كليات إعداد الدعاة أن تعي ضرورة التغيير في بناء مناهجها وتكوين خريجها، الإسلام الآن في أمس الحاجة إلى دعاة يتكلمون بمشاكل الأمة السياسية والاقتصادية والاخلاقية، ويعلمون كيف يدافعون عن عقيدة الأمة فديننا مهدد الآن.

