من المحقق ان الفيلم والكتاب اللذين ستطلقهما اللجنة الإعلامية المنبثقة عن الجهات القائمة على رعاية مسجد زايد الجامع الكبير في أبوظبي سيحظيان باهتمام كبير فور طرحهما، وربما يكفلان لدى صدورهما الاستجابة للاهتمام الكبير الذي تبديه الدوائر المعمارية العالمية والعربية بهذا الجامع، الذي يعد ثالث أكبر جامع في العالم بعد الحرمين الشريفين. الجانب الرئيسي من هذا الاهتمام ينصرف، بالطبع، إلى البعد الإنشائي للمشروع، فقد تنقضي حياة أجيال عدة قبل أن ترى الدنيا صرحاً معمارياً على هذا القدر من الضخامة والامتداد.

وفي غمار هذا الاهتمام، يبرز نهر هادر من التفاصيل المتعلقة بالتصميم والتنفيذ والمواد التي لا حصر لها المستخدمة في هذا التنفيذ، خاصة وان المشروع قد توقف فترة ليست بالقصيرة قبل ان يعاود انطلاقته، وصولاً إلى الافتتاح بعد عام من الآن. وينصرف اهتمام مماثل من جانب دوائر العمارة العالمية بالمشروع الزخرفي لمسجد زايد الكبير. هنا قد يبادر قارئ إلى التساؤل عن سر اهتمام هذه الدوائر بالمشروع الزخرفي. وقد يسأل: أليس المشروع الزخرفي جزءا لا يتجزأ من الكل الإنشائي ـ الجمالي الذي يضمه المشروع؟

الإجابة هي: بلى، هذا صحيح، ولكن لابد من الأخذ في الاعتبار ان المشروع الزخرفي يكتسب أهمية خاصة، وان تكامله مع الإنشاء قضية تشغل أهل العمارة، منذ أقدم العصور وحتى اليوم، وبصفة خاصة في الاعمال الصرحية الكبرى. ولكن علينا أن نتذكر أن الجامع تم انجاز 80% من مجمله حتى الآن، وبالتالي فإنه لا أحد، إلا من لهم صلة وثيقة بالمشروع، يستطيع الزعم بأن بمقدوره استشراف ملامح المشروع الزخرفي للجامع.

هذا القول ينطبق ـ بالضرورة ـ على كاتب هذه الكلمات، لكن ذلك لن يمنعنا من أن ننقل عن مصادر في الدوائر المعمارية العالمية أربع نقاط لا غيرها، تستحق الوقوف عندها وتأملها طويلاً. ـ أولاً: تعتبر تجربة توظيف الرخام في هذا المشروع تجربة بالغة الأهمية، سواء بالنسبة للرخام المكراني المستورد من راجستان بالهند، أو الرخام اليوناني، خاصة وأنه قد أقيمت في موقع الإنشاء نفسه تسهيلات متطورة لتقطيع الرخام وتجهيزه وصقله ودفعه إلى التوظيف في تكسية مساحات كبيرة من الجامع.

ـ ثانيا: يلفت النظر في إطار المشروع الزخرفي لبيت الصلاة بالمسجد توظيف عناصر الخط العربي، بما في ذلك ست صفحات من المصحف الشريف، تنفذ على جدران بيت الصلاة، في صورة حشوات من الرخام ينقش فيها نص الآيات الكريمة بأسلوب الحفر بالدفق المائي، وستنفذ الصفحات الست كل منها في صورة حشوة رخامية ارتفاعها عشرون متراً، وتمتد في اتجاه نظيراتها عبر 22 متراً.

ـ ثالثاً: يشدد المشروع الزخرفي على توظيف مكثف للعناصر الزهرية والنباتية، على نحو يعكس قدراً كبيراً من الجرأة والتجديد، وانفتاحاً على التجارب. الحديثة، في توظيف هذه العناصر في العمارة الإسلامية. ـ رابعاً: يحظى الاستعداد لزخرفة باطن القبة الكبيرة بأولوية مطلقة في المشروع الزخرفي للجامع، ويرجع جانب من هذا الاهتمام الكبير إلى البحر الهائل الذي تتميز به هذه القبة، على نحو لا يكاد يوجد له نظير في العالم بأسره، ويرجع في جوانب أخرى إلى أن تصميم باطن القبة يستلهم نظيره في مسجد قرطبة الجامع الكبير، كما أنه يردد أصداء باطن قبة مسجد المركز الإسلامي في ضواحي روما.

* كامل يوسف