الموروث الشعبي صورة صادقة للمجتمع بجميع اتجاهاته النفسية والفكرية والإبداعية.وهو بحد ذاته يشكل مخزوناً عميقاً يحمل في طياته قيم الإنسان وإبداعاته، وأية دراسة علمية تحليلية أو تسجيلية لأي من جوانبه، إنما ترتكز على الماضي برواسخه، فهذا الموروث يجسد حقيقة البيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها أبناء الإمارات ومنهم المبدعون أدبا وكتابة خاصة الذين يتألقون بالفطرة وتأثراً بالمناخ الذي يحيط بهم.
والموروث الشعبي في الإمارات متنوع ومتميز في المفردة والحركة وحتى في الأصالة والتاريخ، ومن هذا الموروث نقتطف جانباً إبداعياً منه يتمثل في الشعر الشعبي والقصيدة المغناة، من خلال حوار مع الشاعر سعيد بن حمد بن مصلح الذي تأثر بحياة البدو والبادية، وأثر بقصائده على شريحة كبيرة من المجتمع، حتى أصبحت تتغنى بها وترددها كلما رنا إلى مسمعها «خمس الحواس يسائلني عنك وقلبي فيه جرحين، جرح التجافي والتجني وجرح غتم في قلبي اسنين».
* بداية من هو سعيد بن مصلح؟
ـ هو إنسان ينتمي لهذا البلد الطيب، وترعرع بين أهله وناسه، نشأ على أيدي شيوخها الأفاضل الذين كرموا الإنسان الإماراتي بأن جعلوه معززاً مكرماً، وله مكانة عظيمة بين الشعوب.
وشاعر يقول الشعر الشعبي بالفطرة لا يقرأ ولا يكتب، ولكنه تذوق الشعر وعمره 16 عاما، عندما نظر إلى بنت مزيونة، وتدفقت منه الكلمات غزلاً في وصف تلك الفتاة، تأثر بحياة البادية ومنها تشكلت مشاعره وأحاسيسه، وجاءت كل قصائده التي حملت في طياتها عمق الكلمة وقوة المعنى لدرجة أنها تركت مجالاً واسعاً للسجال والرد.
* البيئة لها تأثير واضح في شعرك، ولكن من هم الشعراء الذين لهم اثر مهم في حياتك؟
ـ النفس على الفطرة الأولى كانت مهيأة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر، وما انطبع خاصة في مرحلة الطفولة هو جانب الخير والتأمل في جمال وسحر الطبيعة.
ولكن مجالستي لشعراء كبار في مرحلة الطفولة مثل الشاعر هادي بن مسعود والشاعر محمد بن مسعود كان لها تأثير كبير في تشرب معاني الشعر وأسلوب الإلقاء، ولا تنس أن من صفات البدو الخير والكرم والأمانة والشجاعة، وحياة البدوي هي مع الهجن والقنص، ويجاور الربيع والمياه المنسابة من العيون، وعندما تتوفر مثل هذه الصفات تأتي الكلمات طواعية.
* حياة المدنية والسفر إلى الخارج، هل تساعد على تفتح قريحة الشاعر؟
ـ كما تؤثر حياة البادية على وجدان الشاعر ، فإن المدنية والسفر لهما أيضا تأثير على مشاعره، ولاشك أنهما يتركان أثرهما حيال نظرته للأشياء، والانفتاح على العقلية الأخرى، وتحصيل الكثير من المعارف والعلوم. لكن بصراحة كل هذه العوامل لم تؤثر في طريقة أدائي للشعر، لأنني في قصائدي أمثل بيئتي ومجتمعي.
* قلت إنك شاعر بالفطرة وليس بالوراثة؟
ـ الوراثة معناها أن الشعر متوارث أباً عن جد، لكنني قلت إنني شاعر بالفطرة، وهذا لا يمنع من أن أخوالي مطر بن معيوف والمرحوم تابت بن معيوف هم من الشعراء البارزين.
* ما اللحظات التي تشعر فيها أنك شاعر؟
ـ القصيدة التي تصل إلى الناس، تشعرني فعلاً بقول كلام جميل استطاع أن يصل إلى قلوب الناس، أما اللحظات الأجمل من القصيدة ذاتها، فهي تلك التي يتم فيها السجال حول قصيدة معينة، وهذا هو التقليد الذي اتبعناه مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والذي هو احد فرسان الشعر في وطننا العربي.
وقد أثرى الساحة بعشرات من قصائده الجميلة، أما اللحظة التي أتنازل فيها عن موقعي في مملكة الشعر، فهي عندما استمع إلى قصيدة من قصائد الشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي حاملة لقب (فتاة العرب) فكل ما تكتبه هذه الشاعرة يدخل القلب من دون تردد.
* قصيدتك «خمس الحواس» أثارت جدلاً واسعاً في الساحة الفنية، ولها حكايات كثيرة اسمعنا بعضاً منها؟
ـ كل ما ثار حولها لا يهمني كثيراً، بل إنني تحديت أن يأتيني احد بمثلها، والذين استمعوا لها كقصيدة مغناة عرفوا أن القصيدة ليست كاملة، والمغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم طيب الله ثراه كان أول من لفت نظري إلى ذلك.
وقال لي إن القصيدة لها أبيات أخرى وفعلا أسمعته القصيدة كاملة، وقد أعجب بها شخصياً رحمه الله، أما لماذا غنى الفنان ميحد حمد منها أبياتاً خمسة فقط، فالسبب يعود له شخصياً، وهو الذي ارتأى أن يختار منها أبياتاً دون غيرها، وفي النهاية الأغنية حققت نجاحاً كبيراً في الساحة الفنية، وهذا ألغى كل الجدل الذي أثاره البعض من دون سبب يذكر.
* متى أنشدت هذه القصيدة، وما الإحساس الذي انتابك لحظتها؟
ـ كنت وقتها عائداً من إحدى مناطق البادية إلى دبي، وفي لحظة من التجلي عدت إلى الماضي البعيد، وتصورت صورة إنسانة رهيفة السمع جاذبية اللمس قوية الشم، وتذكرت مواقف لم أجد بداً من ترجمتها إلى قصيدة وصفت فيها في خمس ثوان هذه الفتاة بكامل أوصافها، حيث تجمعت عندي الحواس كلها والكثير من العواطف الجياشة.
* ما جديدك من القصيد الشعبي؟
ـ عدة قصائد، منها قصيدة بعنوان «أنا اعبر» وفيها أقول: «أنا أبا اعبر والمركب توحل / ودق ابه القدر في حد حاله / غرقت ورحت في طرف تكحل / محيط والنجاه امنه محاله/ أشوف الوقت ساعاته ترحل/ وتقصر بي رحولي عن رحاله/.
وأنا إلي مانحلت ولا اتنحل/ ولكنه خذا قلبي نحاله/ عظيم الشوق في روحي تفحل/ تلج ابه الضلوع ولا وحى له/ غزال ماورد نهر تضحل/ ولكن غيرت الأيام حاله/ مظن الجود من جودة تمحل/ وأنا لامن صدود ولا استحالة/ انا في مشكلة مني تبا حل/ سببها نحف حالي وانتحى له/ أشوف الصبر من عزمي تقحل/ ولا للمشتكي صاغي فحى له/صديق ما نظر في وتبحل/ سوى بوجود شخصه وارتحاله».
* كيف تصف لنا الساحة الفنية حاليا المكونة من القصيدة واللحن والأداء؟
ـ باختصار تداخلت وتشابكت الأمور واختلط الحابل بالنابل، ولم يعد هناك من يميز بين القصيدة الجميلة والقصيدة التجارية وبين اللحن الأصيل واللحن المستورد وبين أداء الرجل وأداء المرأة.
«خمس الحواس» (القصيدة الكاملة)
خمس الحواس يسائلني
عنك وقلبي فيه جرحين
جرح التجافي والتجني
وجرح غتم في قلبي اسنين
كل ماذهلت يذكرني
الشم والتفكير والعين
وحساس سمعي لك يعني
ويحير دمي في الشرايين
وش حيلتي يوم اذهلني
وأنا بشر مخلوق من طين
إن كان قصدك تمتحني
ترى حياتي بين قوسين
صنت الليالي وغدرني
هالحين وين انته وأنا وين
اسنين عمري مامدني
تبني العواطف بين الاثنين
الوقت لي بخلاف ظني
وأنا شرى لي بين نارين
نار الوله وأشواق فني
ونار الرجى والياس لمهين
ماينفع الفايت تمني
والصبر في تبع المقفين
ياكم قبلك وخلفني
والمستدين يطالب بالدين
سعد الليالي يرحلني
ويبقى الذكر بين المحبين
فيك القوافي طاوعني
وانته قطعت الوصل يازين
وان سألت عن لي متعبني
قطع اتصال الخط سنتين
دبي ـ جميل محسن
تصوير: مصطفى الأميري
