صَدّر محمد الحسن بن أحمد السمان الحموي ديوانه بصفحة فيها رسم «صورة» معبرة له، وتحتها ثلاثة أبيات علق فيها على الصورة، وتحدث عن شخصه وشخصيته على أن الشاعر الأديب تحدث عن نفسه، بما يكمل الصورة في قطعتين أخريين في الديوان.

من شعراء الشام، ومن ممثلي المذهب الرومانسي، أنور العطار، صدر له ديوان (ظلام الأيام) وأعجلته المنون عن إصدار عدد من دواوينه المهيّأة للنشر. على أن له شعراً نشره في بعض المجلات ذات الاعتبار كالرسالة والعربي.

والشاعر هو أنور بن سعيد العطار ابن مدينة دمشق مولدا ووفاة. تلقى علومه الأولية في بعلبك، وتخرج في كلية الآداب في الجامعة السورية «جامعة دمشق الآن» واشتغل بالتدريس في سورية والعراق والسعودية، وتولى رئاسة ديوان الإنشاء في وزارة المعارف «التربية الآن» مدة قصيرة.

وصفه معاصره وابن بلده الزركلي بأنه «شاعر رقيق من أدباء المدرسين» ونبه على بعض خصائص شعره، الذي تميز بوصف الأزهار والحدائق والبساتين، وقد كان الشاعر مغرما ببيئة دمشق، وما حولها من الغوطتين الشرقية والغربية.

وكان شعره بحق صورة من صور الطبيعة الشامية، مضافا إليها استغراق الشاعر في تلك الطبيعة الجميلة و «انسجام» حاله ونفسه مع تلك البيئة البارعة الجمال.

واستعراض أسماء دواوينه الموعود بها يدل على ذلك الملمح، وهي «البواكير» جمع باكورة: أول ما يخرج من الزهر، والثمر، و «وادي الأحلام» ووديان دمشق والغوطة والجبل كثيرة العدد، وديوان «البلبل المسحور» وديوان «منعطف النهر، وديوان: «ربيع بلا أحبة» وغيرها إضافة إلى مؤلفات نثرية تعالج موضوعات أدبية.

تتصدر الديوان صورة توحي بطبيعة الرجل، وتنبئ عن «خفايا» شخصيته. وهو رجل لا يصعب على قارئه ان يستنبط خصائص تلك الشخصية من أديب، شاعر، هادئ، مرهف الحس، منقطع إلى عمله، وتأملاته، مستغرق في الشام وجمالياتها، منفكئ أحيانا على نفسه، التي تسكنها الهواجس والرؤى والأحلام، ومن شعره النموذجي:

أنا في عُزلتي يطيفُ بي الرُّعْبُ

فأبكي من طول شجوي وأفْرَقْ

تعتريني الهمومُ فالطّرْفُ حَيْرا ...

.... نُ مُنَدّى من الدٌّموعً مؤرّقْ

وجناني ولهان يرمضهُ الحُبُّ

ويذكو به الجوى إن تشوّقْ

وله من قصيدة أخرى:

أطوف بالغابر النائي فيحزنني

أني فَرَشْت طريق الأمس أشجانا

وأنْ طويتُ على غَمٍ صحائفه

وأنْ مررتُ بحلو العمر أسوانا

وأنْ شقيت وكان السّعدُ يكلؤني

وأنْ ضجرتُ فذقْتُ المرّ ألوانا

فليتَ أحلامه دامتْ مناعمها

وليتَ طول التّشكي منهُ ما كانا!

وتمتزج الطبيعة بالشاعر، ويعكف هو على الطبيعة ليتخذ منها أدوات فنية لصنعته الشعرية، على منهج اشتهر في الأندلس مع ابن خفاجة، ونقرأ لأنور العطار تحت عنوان «بنيتي: إذا تطلعت إلى وجهها رأيت أمي مرة ثانية»:

بُنيَّتي وحي تلقيتهُ

من نفحة عطرية ساِريةْ

من عبق الزهر سقاه الندى

خمرته العلوية الشافية

ومن نشيد النبع في حقله

ومن صلاة الغابة الخاشية

ومن صفاء الجدول المنتشي

ومن رؤى الأمسية الحالية

من عودة القطعان مسحورة

تصغي إلى شَبّابة الراعية

وحين نقرأ البيتين اللذين وضعهما في أول الديوان عند صورته نجد النسيج واحداً في أشعاره المنشورة في الديوان وفي المنشورات الأخرى، قال:

غفلت عنّي المنونُ وغَنَّيْ

... تُ ولحنُ الحياة لحن قصيرُ

وبنفسي قيثارة تَتَشكّى

وأنا الدّمْعُ والأسى والشعورُ