إذا كان الكبار لا يقرأون فذلك لأنهم لم يتعلموا أن يقرأوا في صغرهم، وأطفالنا اليوم لا يجدون الراشدين يقرأون، وبهذا تنتهي عادة القراءة وتنتهي معها فرص اكتساب المعرفة والحضور الواعي لما يحدث اليوم وحدث في الماضي، ونزداد وأولادنا جهلاً وأمية وغياباً.

عندما كنا صغاراً كنا ندخر من مصروفنا اليومي لشراء كتاب أو قصة أو مجلة، أما اليوم فإن من يحاول أن يستنهض أولاده للقراءة يأتي بالكتاب ويقدمه لأولاده ويتفنن في ترغيبهم في قراءة ما أحضر، فلا يلقى بعد كل هذا إلا زهداً عجيباً في قراءة حتى الممتع والمسلي والمرفه، فما سبب كل هذا الترفع عن القراءة التي صارت من قبل «الواجبات» الثقيلة بدل أن تكون من قبل «المرفهات» و«العادات الممتعة».

في بريطانيا تبنت الحكومة البريطانية في هذا العام (2005) تمويل حقائب من الكتب توزع مجاناً على الأطفال عبر المكتبات والمدارس بما يعادل 27 مليون جنيه استرليني، وتقول وزيرة التعليم العالي في بريطانيا إنهم يهدفون لتعليم الأطفال والآباء عادة القراءة عن طريق دفع الآباء للقراءة لأطفالهم.

لنقل إن «الصور» و«ألعاب ما يسمى بالواقع الافتراضي عن طريق الانترنت» بدأت واستمرت تسحب البساط من تحت قدمي عادة القراءة ومتابعة المجلات والكتب المفيدة والممتعة.

ولكننا في الوقت نفسه لم نفعل شيئاً في مقابل هذا الغزو الطاغي لثقافة أقل ما يقال فيها أنها غير نافعة إن لم تكن مؤذية وضارة حتى النخاع، فنحن لا نقدم إلا السمج والثقيل والغليظ من الكتب والمجلات لأبنائنا، ونحن لم نتعلم أن نوصل إليهم الفائدة في إطار ممتع ومشوق.

ونحن لا نزال نتبع الطرق القديمة التي أكل الزمان عليها وشرب في إنتاج كتاب أو مجلة للأطفال، ونحن لا نزال نتبع طريقة التلقين المر والجاف والمباشر في تقديم المعلومة أو القصة أو القدوات كأن الطفل يتلقى درساً في التربية والأخلاق من معلم يستصغر عقله ويستخف به ويلقنه ما يريد على طريقة الخطابة.

أما من استطاع أن يمسك بمفاتيح سر اللعبة وراح يقدم للأولاد المفيد الممتع فهو على الأغلب لا يكتفي بالربح القليل أو المعقول ويروج لإنتاجه بأسعار صاعقة لا يقدر عليها أكثر الآباء، فإن سألتهم عن سبب إرتفاع أسعارهم قالوا لك إنها طبيعة المادة المقدمة، كأن الممتع والمفيد لا يمكن الحصول عليه إلا بثمن باهظ يرهق الولد وأباه.

في تجربتي مع أولادي تبين لي أننا نكون مغفلين إن لم نفهم لماذا لا يريد الأطفال والفتيان أن يقرأوا ما نقدمه لهم، فقد جلست معهم وتابعت ما يتابعونه من برامج تلفزيونية ولعبت معهم بألعاب الكمبيوتر والبلاي ستيشن والجيم بوي ثم عدت إلى ما حاولت أن أقدم لهم للقراءة فوجدت أنهم محقون في زهدهم به وانصرافهم عنه، فلماذا نصر على أن يكون المفيد جافاً وغير ممتع في مقابل ممتع غير مفيد ينتشر في الأجيال انتشار النار في الهشيم.

المسألة ليست بسيطة وهي تتصل بهندسة عقول أطفالنا في حاضرهم ومستقبلهم، بمعنى أننا مسؤولون جميعاً عن مستقبل أمة سيصنعه جيل اليوم الذي دخل «الآخر» بثقافته إلى عقله وتربع فيه، فأبناؤنا اليوم مغيبون تماماً عن دينهم وتراثهم وتاريخهم وقيم مجتمعهم، وهم يتلقون دروس المعرفة الأولى من توم وجيري وتيمون وبومبا وشركة المرعبين المحدودة وتوي ستوري وهاري بوتر، فما الذي ننتظره من جيل تتلمذ على ثقافة الفئران؟

هذا المصطلح لفت نظري عندما أطلقه كاتب على ثقافة الأطفال الأميركية الغازية لعقولهم ووجدانهم، فجيري هو (الماوس) الفأر الأول الذي يصارع جيري بكل الوسائل المتاحة الممعنة في الخيال وفي عدم الصلة بأي تصور قيمي و(ماوس) الكمبيوتر هو الفأر الثاني الذي يصل أطفالنا بألعاب وبرامج ملؤها العنف والحيلة والعدوان.

إنني أدعو المربين وأصحاب دور النشر والآباء للتعرف على الألعاب التي يلعب بها أبناؤنا، لأننا فعلاً غافلون تماماً عن حجم كبير من «العنف» و«العدوان» اللذين يكتسبهما الطفل منها، فهل من منقذ لجيل يغيب عن خصوصيته بثقافة ترجح كفة الدهاء والعدوان على كفة الذكاء والاستقامة والأخلاق؟

والأمر ليس معقداً كما نتصور، ففي رمضان الماضي كان ابني ذو العاشرة من عمره يرافقني إلى صلاة التراويح في المسجد، وكان الإمام يلقي كلمة خفيفة بعد انتهاء الركعة الثامنة.

وكانت كلمته مفيدة وممتعة في كل شيء من موضوعها إلى أسلوبه في الإلقاء إلى قصص السلف الصالح التي كان يضمنها فيما لا يزيد على الربع ساعة، ومع أن كلمته كانت موجهة لكل المصلين وأكثرهم كبار وراشدون تعلق ابني بالشيخ وكلمته وأحبه وأحبها حتى أنه كان كل يوم عندما تنتهي الركعة الثامنة ويقف الإمام لإلقاء كلمته يضرب الأرض بقبضته فرحاً )عمَّ( مما أسعدني وأحزنني في الوقت نفسه لأنني لم أستطع أن أعثر له خلال سنوات طفولته وحتى الآن على ممتع مفيد من كتاب أو مجلة كالذي قدمه له إمام المسجد.

إننا بصراحة سبب عزوف أولادنا عن القراءة لأننا لم نفعل شيئاً يوازن الكفة مع الضار والمؤذي السائد والمنتشر.... إنه شر البلية الذي يضحك ويبكي.