ونتواصل مع هذا الموضوع الذي يشكل أهمية كبرى في كتاباتنا عن «حقوقهم في الإسلام» فنبدأ حلقة اليوم مع إضافات جديدة من أقوال الدكتور أدمون رباط الذي نقلنا عنه من قبل فقرات عدة من كتاب «المسيحيون العرب» يقول في دفعه عن الشبهات التي توصم بها الفتوحات الإسلامية :«إن السياسة التي اتبعها العرب المسلمون منذ أولى فتوحاتهم، كانت فتحاً بذاتها في عالم الفكر والدين».
ومن المعلوم أنها استندت إلى آيتين كريمتين الأولى التي تقضي بأن «لا إكراه في الدين» والثانية بأن على أهل الكتاب الذين يختارون البقاء على دينهم أن «يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» إن الفكرة التي أدت إلى انتجاع هذه السياسة الإنسانية الليبرالية ـ يمضي الدكتور رباط قائلاً ـ كانت ابتكاراً عبقرياً.
وذلك لأنه ـ وللمرة الأولى ـ في التاريخ انطلقت دولة هي دينية في مبدئها ودينية في سبب وجودها ودينية في هدفها ـ وهو نشر الإسلام ـ عن طريق الجهاد بأشكاله المختلفة من عسكرية وتبشيرية «دعوية» إلى الإقرار في الوقت ذاته بأن من حق الشعوب الخاضعة لسلطانها، أن تحافظ على معتقداتها وتقاليدها وطراز حياتها». ويردف قائلاً: «لقد جزم المؤرخون بأن سكان الأقطار المفتوحة قد تقبلوا العرب بقلوب رحبة لأنهم رأوا فيهم محررين لا غزاة».
وهذه حقيقة يثبتها هذا الرجل المنصف، والشواهد على ذلك كثيرة من التاريخ الإسلامي منها أهل مصر من القبط الذين رحبوا بالفتح الإسلامي المخلص من نير الاستعمار الرومي. ولا بد لنا من الإشارة إلى ان إعطاء الجزية «عن يد وهم صاغرون»، ليس المعنى كما يتبادر إلى الأذهان انه تحقير للقوم كلا..
فالمعنى كما يقول علماؤنا «عن يد منقادة كناية عن إلقاء السلاح تعايشاً وتفاهماً، والصغار هو الخضوع لسيادة الدولة الإسلامية والمعلوم أن الجزية ـ كما سبق أن أشرنا ـ هو البديل أو المقابل للحماية، تسقط إذا لم يتمكن المسلمون من توفير هذه الحماية لغير المسلمين كما يكون إسقاطها إذا تأكد ولاء غير المسلم للدولة، بحيث سمح له بالمشاركة في القتال ضمن جيوش المسلمين بناء على تطوعه «يرجع في ذلك إلى تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله للآية 29 من سورة التوبة».
وفي موضوع الجزية نقرأ ما قالته المستشرقة الإيطالية لورافيشيا فاغليري أستاذة اللغة العربية في جامعة نابولي، قالت :«منحت تلك الشعوب ـ تعني شعوب البلدان التي افتتحها المسلمون ـ حرية الاحتفاظ بدياناتها القديمة وتقاليدها القديمة شريطة أن يدفع الذين لا يرضون الإسلام ديناً ضريبة عادلة إلى الحكومة تعرف بالجزية» .
وتضيف: لقد كانت هذه الضريبة أخف من الضرائب التي كان المسلمون ملزمين بدفعها إلى حكوماتهم نفسها، ومقابل الجزية منح أولئك الرعايا «الذين عرفوا بأهل الذمة» حماية لا تختلف في شيء عن تلك التي تمتعت بها الجماعة الإسلامية نفسها، ولما كانت أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين قد أصبحت فيما بعد قانوناً يتبعه المسلمون، فليس من الغلو الإصرار على أن الإسلام لم يكتف بالدعوة إلى التسامح الديني، بل تجاوز ذلك ليجعل التسامح جزءاً من الشريعة الإسلامية.
وأردفت فاغليري قائلة: «ادفعوا جزية يسيرة تسبغ عليكم حماية كاملة، أو اتخذوا الإسلام ديناً وادخلوا في ملّته تتمتعوا بالحقوق نفسها التي يتمتع بها المسلمون» ونقول لفاغليري: بل هم يتمتعون بكافة الحقوق الممنوحة للمسلمين من غير أن يدخلوا في الإسلام وما يجدونه ويتمتعون به في ديار الإسلام لا يحتاج لجدال أو نقاش، فالكنائس والبيع والصوامع لم تهدم ولم تخرب قديماً ولا حديثاً .
بينما كل البنيات التحتية في بلادنا تستباح في حروبهم علينا بل ولا يسلم منهم حتى الأطفال الرضّع على ما شاهدناه ونشاهد في اجتياحات واحتلالات القرن 21 انهم لا يرقبون فينا إلّا ولا ذمة بينما نحن المسلمين نرعى حقوقهم ونرعى ذممهم، وما يجري فينا حديثاً في فلسطين ولبنان وفي غيرهما من بلاد المسلمين ليس جديداً.
فما حدث في الأندلس عند سقوط آخر معاقلها «غرناطة» في العام 1492م أن الخيانة والغدر منهم قديم جداً، فهذا فرديناند ملك قشتالة وزوجته إيزابيلا يفعلان بالمسلمين ما يندى له جبين التاريخ خجلاً على الرغم من المعاهدة التي أبرموها مع عبدالله الصغير «آخر ملوك غرناطة» لتسليم غرناطة، وكان في تلك المعاهدة تأمين الناس في أنفسهم وأهلهم وأموالهم .
وأن يبقوا في مساكنهم ودورهم آمنين لا يتعرض لهم أحد بسوء إلى آخر ما في مثل هذه المعاهدات من التأمين، فهل أوفى فرديناند بما عاهد عليه آخر ملوك غرناطة؟
إن ما حدث بعد تلك المعاهدة التي كانت مجرد غطاء لتسليم غرناطة، ومن ثم السيطرة على الأندلس كافة، شيء لا تتصوره الإنسانية في عصورها كافة مما أطلق عليه «محاكم التفتيش» فقد منع المسلمون من النطق بالعربية والويل لمن يتحدث بها بل قد تعدى ذلك إلى التحرشات بمعنى أنك إن لم ترتكب خطأ يلصق بك الخطأ افتراء لتعاقب ليس هذا فحسب.
بل إن الكردينال إكزيمينس أمر بجمع كل ما يستطاع جمعه من الكتب العربية ووضعت في أكياس كبيرة «وقدر عددها بثمانين ألف كتاب» ثم نقلت إلى أكبر ساحات المدينة وفيها من المعلوم ما لا يقدر بثمن وهناك أضرمت فيها النار، أحرق ذلك الكردينال تراثاً عزيزاً من الفكر الإنساني. وهل وقف الأمر عند هذا الحد، كلا فقد أجبر المسلمون على التنصير.
ومن لم يستجب فمصيره القتل، وكان ذلك بناء على مرسوم أصدره فرديناند وزوجته ايزابيلا يقول: «إنه لما كان الله قد اختارنا لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة! «هكذا» فإنه يحظر وجود المسلمين فيها ويعاقب المخالفون بالموت أو مصادرة الأموال».
ومن ألوان تعذيب محاكم التفتيش: الأسياخ المحماة وسحق العظام بآلات ضاغطة وتمزيق الأرجل وفسخ الفك، وهذا غيض من فيض، وهذه المحاكمة تتكرر الآن والتاريخ كما يقولون يعيد نفسه.