شهر رمضان هو شهر الرحمة والمغفرة، فيه تنزل رحمات الله على عباده الصائمين الذين يحسنون التعامل مع الناس ويضعون الأمور في مواضعها الصحيحة، الشدة في موضعها والشفقة واللين في موضعهما، فترى الرحماء يزدادون رحمة وشفقة في رمضان لأن الصوم ينمي فيهم هذا الخلق العظيم ففي المواقف المثيرة للغضب نجدهم رحماء، فإذا تعرضوا للقسوة من بعض المتعاملين تجدهم يقابلون ذلك بالإحسان.
وليس هذا عن ضعف إنما عن قوة إيمان بحسن الجزاء من رب العالمين ولأن الصوم قد هذب النفس وكبح جماحها وجعلها خيرة طيعة تُحب الهدوء المؤدي إلى السعادة والراحة النفسية، روى عن نصيح العنسي عن ركب المصري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن تواضع في غير منقصة، وذلّ في نفسه من غير مسألة، وأنفق مالاً جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذلة والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة.
(رواه الطبراني ورواته إلى نصيح ثقات)، وهذا أبو الدرداء رضي الله عنه يقول لرجل اسمعه كلاماً: يا هذا لا تغرق في سبِّنا ودع للصلح موضعاً، فإنَّا لا نكافئ من عصا الله فينا بأكثر من أن نطيع الله عز وجل فيه وإذا كان المرء قادراً على الانتصار من المسيء فيرفق وليكن رحيماً شفوق وليجعل العفو شكراً على نعمة القدرة، وليترفع عن السباب ومواطن الشر.
وتبلغ سعادة الصائم الرحيم بأهله وأولاده مبلغاً عظيماً عندما يرى أثر رحمته وشفقته على أبنائه بادية على وجوههم وتصرفاتهم فيزداد سعادة وشفقة وعند الأمر في ذلك إلى جميع المحيطين به من الزملاء في العمل والجيران والأرحام وهذا هو المرجو من الصيام.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن أو الحسين ابن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً قط، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: من لا يَرْحَم لا يُرْحم. (رواه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي).
ويمتد عطاء الرحماء في شهر رمضان ويشمل المحتاجين الذين تملأ الفرحة قلوبهم ويشعرون أن هناك أخوة لم يهملوهم، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وهذه صورة رائعة من صور التكافل الاجتماعي الذي يعمل على إزالة الأحقاد والضغائن من النفوس.
ومن صور العطاء المحمود الستر، فكما يستحب ستر الزلات يستحب ستر العورات والأبدان، ويستحب إشباع جوعة الصائم أيضاً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كسا مؤمناً عارياً كساه الله من خضر الجنة. (أي من ثيابها الخضر) رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج.
روي عن أم عُمَارة الأنصارية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فقدمت إليه طعاماً، فقال: كُلي، فقالت إني صائمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا، وربما قال: حتى يشبعوا. (رواه الترمذي).
المسلم الذي يتمتع بخلق الرحمة تجده ينجح في عمله ويستقر في حياته ويظل سعيداً بحبه للناس وبحب الناس له، روي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلْقى أخاك بوجه طلْق، وأَن تُفْرِغَ من دَلوِك في إناء أخيك. (رواه أحمد والترمذي) وروي عن عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه أنه قال: أحب الأمور إلى الله تعالى ثلاثة: العفو عند المقدرة، والقصد في الجدة والرفق بعباد الله تعالى، وما رفق احد بعباد الله إلا رفق الله به.
في ختام اللقاء.. دعاء ورجاء:
اللهم اجعلنا في هذا الشهر الكريم من المستغفرين، وارزقنا فيه رحمة بالأيتام وجنبنا فيه الهفوات والآثام وأعنا يا رب على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم بصّرنا بمواقع أقدامنا ومواقع أبصارنا، واعتق رقابنا من حمل المظالم واكفف عنا شر كل ظالم، فإني كلما رفعت وجهي للسموات ضارعاً ألقاك يا رب غفاراً كريماً لا تبخل على من ناداك فسبحانك سبحانك يا ذا الجلال والإكرام.. يا الله.
اللهم ارزقنا في هذه الأيام المباركة من الرزق أطيبه وأوسعه، ولا تكشف عنا غطاءك ولا تحرمنا من عطائك، اجعل يا رب لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً، وارزقنا من حيث نحتسب ومن حيث لا نحتسب إنك أنت الله خير الرازقين.