إن العقل البشري بكافة شرائحه وفئاته العمرية الرجال والنساء خصوصا النبغاء منهم أصحاب الثقافات الحية يميلون دائما إلى تكوين فكرهم العقلي من خلال حب المعرفة والإطلاع الشامل والتعرف على ما عند الآخرين من إنتاج علمي وفكري وأدبي وفلسفي..
فالعقل البشري بمختلف شرائحه يسعى بكل جده الفكري (إلى تكوين عادات ورسم أطر لعملهم وهي مع مرور الوقت تشكل نوعا من البرمجة له. البيئة ـ بكل أنواعها ـ هي التي توفر مادة البرمجة وكلما كانت ثقافة الإنسان ضحلة، وكانت مصادر معرفته محدودة، ضاقت مساحة تصوراته للحياة.
وأصبح شديد المحلية في نماذجه ورؤاه، عاجزا عن تجاوز المعطيات الخاطئة التي تشرَّبها من مجتمعه التقليدي، والقراءة الواسعة المتفحصة والإطلاع المتنوع هو الذي يعظم الوعي الذاتي للناس وذلك من خلال المقارنة وامتداد مساحات الرؤية المعرفية ولا يكون ذلك إلا عن طريق القراءة وقد كان علماء السلف وبعض الخلف، لا يثقون بعلم العالم الذي يرحل.
ولم يغبِّر قدميه في طلب العلم، إدراكا منهم لمخاطر البرمجة الثقافية القائمة على معطيات محدودة ) في ذلك الوقت الذي لم تكن وسائل الاتصال الحديثة موجودة ولا طرق ترتيب الكتب وتبويبها واسع الانتشار في ذلك العصر روي عن أحد العلماء أنه سئل ذات مرة عن كم كتاب يمتلك في مكتبته الخاصة فأجاب وهو في حالة استحياء عندي أربعة آلاف كتاب ففي نظر هذا العالم هذه الكتب قليلة جداً؟
تاريخ المسلمين زاخر بالمعرفة:
إن تاريخ المسلمين كان زاخرا بالمعرفة الشاملة في شتى صنوف العلم ولا يزال قائما على ذلك فقد عرفوا (كل أنواع المكتبات التي تتباهى بها الدول المتقدمة في العصر الحديث.
حيث انتشرت المكتبات الخاصة التي بلغ بعضها من الضخامة حدا يصعب تصوره في عصر المخطوطات. فيذكر صاحب الفهرست أن خزانة الواقدي (ت 207ه) بلغت ستمئة قمطر، كل منها حمل رجلين، ويقول المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم) عن خزانة عضد الدولة البويهي (ت 372ه) بشيراز (لم يبق كتاب صُنف إلى وقته في أنواع العلوم كلها إلا وحصله فيها).
ويذكر ياقوت الحموي في ( معجم الأدباء) أن خزانة الصاحب بن عباد (ت 385ه) اشتملت على مئتين وستة آلاف مجلد وبلغ فهرسها عشرة مجلدات، ووصفها (آرثر بوب) بأنها كانت تضم من الكتب ما يعادل ما كان موجودا آنذاك في مكتبات أوروبا مجتمعة، وهذا يعكس الحال الذي كانت تعيشه أوروبا في العصور الوسطى،.
ويوضح مدى تخلفها عن العالم الإسلامي، ويؤكد ما جاهر به المؤرخون عن انغماسها في ظلمات الجهل والسحر والخرافة، ولم تكن المكتبات مقصورة على الرجال، فابن بشكوال يذكر لنا في كتابة «الصلة» أن عائشة بنت أحمد بن محمد بن قادم (ت 400ه) كانت تملك خزانة علم كبيرة.
ولعل أعظم المكتبات الخاصة هي تلك التي ارتبطت بقصور الخلافة العباسية في العراق، والخلافة الأموية في الأندلس، والخلافة الفاطمية في القاهرة، ويكفي أن نعلم أن مكتبة العزيز بالله الفاطمي كانت تضم مليونا وستمئة ألف مجلد مفهرسة ومنظمة، وصفت بأنها من عجائب الدنيا.
وأن مكتبة الحاكم المستنصر الذي ولي الخلافة في قرطبة من 350 هـ إلى 366هـ بلغت فهارسها أربعا وأربعين كراسة في كل منها عشرون ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين. وإلى جانب المكتبات الخاصة وجدت المكتبات العامة التي يؤمها الناس من كل حدب وصوب، فكان يلحق بكل جامع مكتبة عامرة تضم كتبا كثيرة في مختلف علوم الدنيا والدين.
ولا تزال ظاهرة ارتباط المكتبات الإسلامية بالمساجد ماثلة حتى أيامنا هذه في كثير من الدول العربية والإسلامية، فالجامع الأزهر في القاهرة، والجامع الكبير في صنعاء، وجامع الزيتونة في تونس، وغيرها، لها مكتبات ضخمة تزخر بنفائس التراث العربي والإسلامي).
وكل ذلك الجهد الحثيث في تجميع الكتب والبحث عنها من أجل القراءة واستمتاع الناس بلذتها والاغتراف من فكر الآخرين وعلومهم المختلفة التي أنتجت لنا الأفكار والعلوم المختلفة في ميادين شتى الطب والفكر والفلك وعلم البحار.