الخليفة العباسي المهدي ثالث الخلفاء العباسيين هو أبو عبدالله محمد بن الخليفة المنصور (والمنصور هو أبو جعفر عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس ) كان له مجالس رمضانية يؤمها العلماء والأدباء والشعراء وكبار القوم.
ومما رواه صاحب الأغاني وصاحب زهر الآداب وغيرهما عن الشاعر سَلْم بن عمرو بن حماد البصري المشهور بسلم الخاسر، وهو من فحول شعراء الدولة العباسية، أنه كان قد تعوّد أن يزور الخليفة المهدي مرة في هذا الشهر من كل عام.
فوفد إليه في إحدى الأمسيات الرمضانية، وقد امتلأ المجلس فأنشده قصيدة رائعة قال ضمنها:
أليس أحقَّ الناس أن يدرك الغنى مُرَجِّي أميرِ المؤمنين، وسائلُهْ
لقد بسطَ المهديُّ عدلا ونائلاً كأنهما عدلُ النبيِّ ونائلُهْ
فقال المهدي في الحال:
أما ما ذكرتَ يا سلم، من الجود فوالله ما تعدل الدنيا عندي خاتمي هذا، وأما العدل فإنه لا يقاس برسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ قط، وإني أتحرّاه جهدي. وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وفي العام التالي وفي إحدى الأمسيات الرمضانية جاءه سلم فأنشده:
إن الخلافة لم تكن بخلافةٍ حتى استقرّتْ في بني العباسِ
شُدَّتْ مناكبُ مُلْكِهمْ بخليفةٍ كالدهرِ يخلط لينَه بشِماسِ
( والشِّمَاس هو الشدّة في العداوة ) فأمر له بعشرين ألف درهم.
وفي العام التالي جاءه فأنشده:
أفْنى سؤال السائلين بجودهِ مَلِكٌ مواهبُه تروح وتغتدِي
هذا الخليفة جوده ونواله نفِدَ السؤالُ وجودُه لم ينفدِ
فأمر له بثلاثين ألفا وقال: إنك إنْ تَفِدْ إلينا في كل عام ويزداد عطاؤك، سينفد جودنا !!
أبو جعفر المنصور وابن السمان روى صاحب العقد الفريد ورواه غيره أن أبا جعفر المنصور كان في آخر حكم بني أمية إذا دخل البصرة دخل مستترا، وكان في البصرة مُحَدِّث يدعى أزهر السَّمَّان له حلقة درس فكان المنصور يأتي إليها ويستفيد منه علما. فلما دالت الدولة الأموية وقامت الدولة العباسية توجه أزهر السمان إلى المنصور فرحب به وقربه وقال له ما حاجتك ؟
قال: داري تهدمت، وولدي يريد الزواج ـ فأمر له باثني عشر الف درهم وقال له لا تأتنا طالبا. وفي العام التالي قدم عليه فرحب به، وقال ما حاجتك وما الذي أتى بك؟ قال: جئت مسلّما.
قال: وقع في خَلَدي أنك لم تجئ مسلما وإنما جئت طالبا وأمر له باثني عشر ألف درهم وقال له لا تأتنا طالبا ولا مسلّما. وفي العام التالي جاءه فرحب به وقال له ما أقدمك علينا؟ قال جئتُ عائدا، قال بل جئتنا طالبا وأمر له باثني عشر ألف درهم، وقال له لا تأتنا طالبا ولا مسلما ولا عائدا. وفي العام التالي حضر فقال له ما أقدمك ؟
قال: دعاء سمعتك يا أمير المؤمنين تدعو به، فجئت لأكتبه. فضحك وقال: إنه دعاء غير مستجاب إذ دعونا به ألا نراك فلم يُسْتَجبْ وقد أمرنا لك باثني عشر ألف درهم وتعالَ متى شئت فقد أعيتنا الحيلة فيك !