«لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب، ولهم عذاب أليم».

للجانب الخلقى منهج فسيح في نسق الكتاب العزيز، إذ القرآن باعتباره دستوراً اصلاحياً سماوياً يحرص على النهوض بالإنسان إلى المثالية الحقة، أو المثالية التقريبية إذا وقفت دون الأولى موانع، أو لم تتهيأ لكل امرئ بواعثه في التطلع إلى مراتبها العليا، فعند ذلك يكون الكمال النسبي غاية مرجوة بقدر الإمكان.

فالآيات التي عرضت للتهذيب، واتجهت إلى التربية تهدينا إلى أساليب عدة، انتهجها القرآن في اجتذاب الإنسان إلى ناحية الخير لنفسه، ولمجتمعه، بل وللمجتمع العام.

وإذا كانت مباحث المصلحين من الفلاسفة وسواهم فيما كتبوا أحاطت بكل مااهتدوا إليه من عيوب في الخلق، ومن توجيهات إلى اصلاحه، وإذا كانوا غالباً على صواب في كثير مما كتبوا وفيما نصحوا، فلن يكون لهم ما للقرآن من كل ناحية، وأن يسبروا الغور الذي يسبره القرآن.

فحديث القرآن عن الخلق هو حديث العالم بالنفوس ونزعاتها، وهو في توجيهاته يضرب الأمثلة من الواقع الذي تورط فيه الناس، وجرت أحداثه على مسرح الحياة، وكان له من الأثر قديماً ما يجدر بنا الاعتبار به.

فإن سنة الله في خلقه لا تتبدل، ضرورة إنها ليست وليدة التجارب، وإنما هي أقدار علوية لا تدركها مواهبنا، ولا تدفعها قوانا.. ثم الفلاسفة المصلحون يمتدحون ما يمتدحون ويعيبون ما يعيبون بالقياس إلى ما يعرفون من أضرار تنجم عن مساوئ الخلق، أو منافع تقترن بمحاسنه، وما أوتي الناس من العلم إلا قليلاً.

ولكن القرآن أفسح من ذلك مجالاً، دون مقارنة أو تشبيه، والقرآن لا يقف من إصلاح الأخلاق موقف القصص فحسب، بل يرتب على الحسن والقبيح من أخلاق الناس وأعمالهم جزاء أخوياً، ويفسح في ترغيبهم وترهيبهم.

ويحبب إليهم الخير وإن قل، ويباعدهم عن الشر وإن قل، ففى الخير يقول: «إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً»« فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره» وفى الشر يقول :« كل نفس بما كسبت رهينة»« ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره».

ووعده في الخير وعد لا يضن بالفضل يسبغه على حسن الخلق ، إذ الفضل بيده يؤتيه من يشاء.

ووعيده في الشر ابعاد من يقدر على الإنجاز غير مزاحم في سلطانه، ولا مغلوب على أمره، إذ الناس لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وهو القاهر فوق عباده.وإذا كان النزوع إلى الشر، واقتراف السيئات مع الناس، مما يعاب خلقاً، أو يذم ديناً، فأنكى من ذلك وأقبح منه أن يكون المسيء شاعراً بنقيصته.

ولا يحاول الكمال بل ينتحله، ويدأب على المخادعة ليغتصب الثناء، ظاناً أن هذا نصيب يكفى لا حتسابه من ذوى المروءات وأهل الخير، ولأن هذه المخادعة شين شائن فضح القرآن أمر المتخلقين بها، وندد بهم في أسلوب لاذع مزعج.

فإننا نرى في تنديده يجمل الحديث في مخازيهم فلا يذكرها تفصيلاً، وإنما يصفهم بنزعاتهم التي هي جنوحهم إلى الشر وفرحهم به، ورغبتهم إلى المدح بما لم يفعلوا، ثم يصب عليهم غضبه، ويقسو في تهديدهم بالعذاب، والعذاب الأليم.

وإننا نراه لم يوجه إليهم خطابه في هذه الآية « لا تحسبن الذين».. الخ، ولم يفرضهم على مقربة، ولا على مسمع من كلامه، بل افترضهم غائبين لا يرغب في هدايتهم، ولا ترجى منهم مطاوعة.

مساق التنصيص على معايبهم، ومساق العبرة لمن ينصت إلى الدعوة، وينتهز العبرة فيأخذ منها لنفسه، فساق الحديث عنهم مساق التصحيح لما يتوهمه الواهم في شأن هؤلاء الفرحين بالسوء من أن أمرهم قد لا يفحش، وأن خطرهم قد لا يعظم، فنهى النبي ـ صلوات الله عليه - ومن يستجيب له أن يخطر ببالهم ذلك الوهم، أو يهون عندهم ذلك التخلق بما ورد في الآية :

« لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب، ولهم عذاب أليم ».

وليس بلازم أن يكون النبي - صلوات الله عليه - قد احتسب لهم النجاة من العذاب حتى يحتاج إلى النهى الحاسم، ولكن الله - تعالى - يبادر نبيه والمؤمنين بما يدفع ذلك الوهم عن خواطرهم قبل حصوله، مسارعة إلى تأديب المسلمين، وتنزيها لهم عن تلك النقائص، وتكميلاً لتربيتهم، وترغيباً لهم في الترفع عن تلك الخصال التي هوت بأصحابها.

ولعل في تكرار النهى ثانياً بقوله:« فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب» وتكرار التهديد ثانياً للمسيئين بقوله« ولهم عذاب أليم أقول : لعل في ذلك توكيداً للآية الكريمة من آداب وتربية.

وكانت خصال أولئك المقبوحين بادية في أمور منها: أن المنافقين كانوا يعتذرون عن الخروج إلى الغزو بأعذار مختلفة، ثم يزعمون في أنفسهم أنهم صادقون عند الرسول، ومنها أن بعض اليهود كانوا يتوددون إلى المسلمين، وكان النبي يسألهم عن أحكام في كتبهم فيكتمون الحق لأنه يكون حجة عليهم، ويجيبون بغيره ظانين أن أمرهم محجوب عن الرسول، وأنهم مصدقون عنده فيما قالوا.

ومنها أن رؤساء اليهود كانوا يسألون علماءهم عن أوصاف الرسول العربي الذي تحدثت عنه التوراة، وهى : أوصاف محمد بن عبد الله، فكانوا يجيبون رؤساءهم بغير الحق، وينفون عن محمد ما يعرفونه حقاً في كتبهم،« فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ».