بغض النظر عن صحتها من عدمه، فإن صورة الخطر الإسلامي الماثلة في الغرب لم تنشأ هكذا من فراغ، وإنما تولدت جراء عوامل عديدة . واذا حاولنا في إطار مسعى رصد أبعاد تنامي ظاهرة العداء للإسلام في الغرب يمكننا الإشارة إلى أن ذلك إنما يعد نتاج المزاوجة بين عدة عوامل أشرنا إلى إثنين منهما ونستعرض هنا عاملا ثالثا نراه محوريا في تكريس مناخ العداء.
وهو انهيار الكتلة الشيوعية. وعلى ذلك النحو يمكن الإشارة إلى أن المعادلة التي حكمت هذا العداء تتمثل في: ذاكرة تاريخية سلبية إلى جانب إحياء ديني يقوم على رفض منظومة القيم الغربية مع تراجع الخطر الرئيسي الذي يواجه الغرب فكان لا بد من السعي للتضخيم من خطر آخر بديل لعبت المصادفات دورها في انه تمثل في الظاهرة الإسلامية.
وفي إطار الرؤى الافتراضية نشير إلى أنه لو أن هناك كتلة سياسية أخرى تغطي الانهيار السوفييتي على شاكلة الصين لاختلف الأمر إلى حد كبير وظل الإسلام في دائرة أو مرتبة ثانية من العداء. وهو طرح يؤكده تنامي الحديث عن الصين كخطر محتمل في الدوائر الغربية في العقود المقبلة وهو ما قد ينتهي إلى صرف النظر عن الإسلام كخطر رئيسي حسبما ينظر إليه في الغرب في المرحلة التاريخية الراهنة.
وتقوم الأطروحة التي يوجد شبه إجماع عليها سواء في العالم الإسلامي أم الغرب على أن انتهاء الحرب الباردة أطلق فكرة العداء للإسلام من القمقم.. فهذه الحرب وهي نزاع بين غرب ديمقراطي رأسمالي وشرق ديكتاتوري يسيطر عليه السوفييت استدعى خلق أو بعث النزاع القديم المفترض بين الغرب المسيحي والعالم الإسلامي. وتنطلق هذه الرؤية من أن الغرب قد اعتاد على وجود خطر يوحد قواه، بمعنى أنه يجد صعوبة في ظل انتفاء هذا الخطر ومن هنا لجوءه إلى استيلاده اذا لم يكن موجودا.
وحسب رؤى غربية يمثلها مجموعة من المفكرين يحاولون أن ينظروا إلى العلاقات بين الجانبين.. العالم الإسلامي والغرب.. انطلاقا من اعتبارات موضوعية، فإن أسباب تزايد حدة المواجهة بين الإسلام والغرب تعود إلى إنه مع انهيار النظام الشيوعي لم تظهر إلى جانب الإسلام المتشدد في زعم هؤلاء أي مجموعة أخرى من المعتقدات المتماسكة ذات الانتشار الواسع بين الناس على نطاق مساحة جغرافية شاسعة وتوجه على نحو منظم نقدا واضحاً وقويا للغرب.
فضلاً عن أن الشرق الأوسط كان في الوقت نفسه يمثل الموقع الوحيد الذي وقعت على أرضه مرارا وتكرارا عمليات التدخل العسكري الغربي على مدى العقود القليلة الماضية خاصة بعد النظر إلى إسرائيل ذاتها باعتبارها قوة غربية في الشرق الأوسط سواء من حيث الطابع المميز لها أو من حيث الدعم والمساندة.
لقد عززت تلك الوضعية من اعتبار الإسلام في الغرب المرشح التالي الأكثر ترجيحا لمعارضة المصالح الغربية في غالبية أنحاء المعمورة. إن المتابعة المتأنية لمسار العلاقات بين الإسلام والغرب تشير إلى صحة ما قرره فريد هاليداي من إنه ربما لم تفرز العلاقات الدولية أساطير مثل تلك التي تدور حول التهديد الإسلامي المزعوم لدول الغرب فمنذ أواخر عقد السبعينات.
وربما منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 تحديدا أصبح الإسلام وتهديده للغرب أمراً ذا ثقل عالمي يشغل الساسة في دول غرب أوروبا من ناحية وبعض القادة الإسلاميين من ناحية أخري.. فمن الحماقة ـ حسبه ـ أن نرى البلدان الإسلامية وكأنها بمعنى ما تهدد الغرب، فقد اختفى منذ أمد بعيد الخطر العسكري الذي تثيره قوات إسلامية موحدة في ظل الإمبراطورية العثمانية.
مصطفى عبد الرازق
