بين دفتي كتاب «رؤية إسلامية في المعاملات العصرية يحاول مؤلفه الدكتور عبد الرحمن عبد ربه المرادي البيضاني نائب رئيس مجلس قيادة الثورة اليمنية أن يطرح أحكاما إسلامية في باب المعاملات، التي يرى تلاحق أنواع منها وتجددها لم تكن معروفة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو عصور أئمة المذاهب الأفاضل.. فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل آيات المعاملات تتسع للاجتهاد حتى تستفاد منها أحكاما إسلامية يستخلصها المجتهدون لتتناسب مع المعاملات التي تستجد في كل عصر، يقول الكاتب:

لقد ظهرت في عصرنا هذا معاملات لم تكن معروفة لدى أئمتنا الأجلاء كالبنوك وفوائدها وما الفرق بين الدين والاستثمار وهي تتضمن معاملات البنوك الإسلامية في المرابحة والمضاربة والمشاركة اتصافا للمتعاملين معها.

. أن تتضمن شيئا محرما، ولماذا تحجم البنوك الإسلامية عن قبول عقود الإقالة وهي عقود إسلامية شرعية وما موقف الشرعية الإسلامية من التأمين على الحياة أو الماديات هذه الاستفسارات وغيرها هي ما حاول المؤلف الإجابة عنها من خلال سطور هذا الكتاب الذي جاء تحت عنوان «رؤية إسلامية في المعاملات العصرية».

ويشير الكاتب في فصل الكتاب الأول إلى قضية في غاية الأهمية وهي ضرورة وحتمية الاجتهاد في هذا العصر لتضييق هوة الخلاف المذهبي وظهور جيل جديد من المجتهدين، حتى نستطيع أن نكون أحكاما في معاملات غير مسبوقة والتي كانت ترد إلى أحكام الفقهاء الذين لم يعاصروها مما يضطر المجتمعات الإسلامية إلى تبني تشريعات الذين يخترعون احتياجات الحياة العصرية .

واختيار ما يناسبها من أحكام وعندما يظهر التناقض عند محاولة التوقيف بين ضرورة الانتفاع بالاحتياجات العصرية غير المحرمة التي لا يرتفع مستوى الحياة بغيرها وبين حتمية الالتزام بإخضاعها لأحكام شرعية وفقا لاجتهاد أحد الفقهاء السابقين الذين لم يعاصروها فينشأ الاغتراب وتظهر التيارات المتطلعة إلى تطبيق الشرعية دون الاجتهاد في أحكامها.

حتمية الاجتهاد

وأكد أنه في غياب الاجتهاد الذي يواكب قضايا الاحتياجات المتطورة يعجز الحكام المسلمون عن تحقيق التطلعات الإسلامية فتبدأ تيارات الرفض المسلح وما يقابله من الردع الأمني وما يلحق بهما من خسائر إسلامية بشرية ومادية .

- مشيرا إلى أن الاجتهاد أصل إسلامي تعرضه الشريعة بأدلة قطعية من بينها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن وسأله كيف تصنع إن عرض عليك قضاء قال أقضي بما في كتاب الله قال فإن لم يكن في كتاب الله قال فبسنة رسول الله قال فإن لم يكن في سنة رسول الله قال أجتهد برأيي ولا ألو».

ويرى المؤلف أنه لم يعد فقيها بعينه قادرا على الإلمام بكل جوانب القضايا المتجددة وأضحى الاجتهاد الإسلامي في حاجة إلى مرحلتين، المرحلة الأولى يتولاها المتخصصون في الشؤون الدنيوية كالمهندسين والأطباء والاقتصاديين وعلماء الاجتماع والطبيعة والكيمياء فيحددون القضايا التي تحتاج إلى أحكام شرعية جديدة ويقدمون أحكاما..

والمرحلة الثانية يتولاها رجال الدين المجتهدون الذين إذا أجازوا حكما مقدما أصبح اجتهادا شرعيا وإذا وجدوا فيه صداما مع نص قطعي الورود والدلالة في القرآن أو صحيح السنة أعادوه إلى علماء المرحلة الأولى لتعديله وفقا لما يراه علماء الدين طبقا لأحكامه.

البنوك الإسلامية والربا

وفي الفصل الثاني يتناول المؤلف ماهية البنوك الإسلامية وعلاقتها بالربا المحرم.. وكيف أن هذه البنوك تتزين بالإسلام لتعلن اجتناب الربا فتشترك مع المستثمر في مشروعه بعد أن تتأكد من نجاحه ونشترك أيضا في إدارته فتصبح عبئا عليه ويناقش بعض أنشطة هذه البنوك مثل عقد المرابحة، التي يتقاضى فيها البنك زيادة في السعر الحقيقي للسلعة لتأجيل سداد الثمن.

وأشار إلى أن البنوك الإسلامية أصبحت الآن أبعد ما تكون إلى روح الإسلام وعليها تصحيح قواعدها وفقا للشريعة الإسلامية التي تحرم استغلال المسلمين وتأمر بعدالة توزيع الثروة إذ لا يعقل أن يحقق بنك من البنوك الإسلامية في إحدى مشاركاته أرباحا 4% في العام في حين تحصل البنوك الربوية على 17%فقط مما يجعلها حسابيا وعمليا أرفق بعملائها ولذلك أرى أن عقود البنوك الإسلامية يجب ألا يكون عائدها فاحشا لأنه يجعلها عقود إكراه وغبن واستغلال لعقيدة المسلمين ويوقعها في محظور الظلم المحرم.

كما أن عائد البنوك الإسلامية الفاحش يعد نجشا لأشياء الناس وقد حرمه الله تعالى والبنك الإسلامي الذي يحول مشروعا استثماريا بأية صورة من صور عقوده لا يقدم على ذلك إلا بعد أن تتوفر له ضمانات دراسة الجدوى والرهن والإشراف ومع ذلك يتقاضى نسبا تصل ل100% في السنة وهذا ما دعا البنوك الأجنبية أن تقيم فروعا إسلامية بعد أن تبينت أن رفع شعار الإسلام بهذه الصورة يعتبر الدجاجة التي تبيض ذهبا.

وأضاف د. البيضاني أن ظهور البنوك كان من مقتضيات المعاملات المستجدة، حيث بدأت بحفظ أموال المودعين الذين يخشون على ثرواتهم من النهب والاغتصاب وكان المودعون يدفعون لهذه البنوك أجورا نظير حماية ودائعهم ومع تطور الاختراعات وتزايد الاستثمارات طرأ احتياج المستثمرين إلى أموال المودعين فتطورت وظيفة البنوك إلى إغراء المودعين بأن تدفع لهم عائدا نظير موافقاتهم على تقديم أموالهم للمستثمرين فأصبحت البنوك وسيطا بين المودع والمستثمر فظهر اصطلاح الفائدة المدنية التي يدفعها المستثمر للبنك نظير استثمار المال الذي يأخذه منه..

واصطلاح الفائدة الدائنة التي يدفعها البنك للمودع نظير استثمار ماله الذي أعطاه إياه.. وفي غياب الاجتهاد الإسلامي الذي يطرحه العلماء من رجال الاقتصاد ويقره الفقهاء من رجال الدين اختلف التكييف الشرعي لفوائد البنوك.

ورأى المؤلف أن الدَّين يخرج شرعا لفظا ومضمونا عن نطاق المعاملات المصرفية لأن الدائن لا يقصد إعانة البنك على ضرورة شديدة، ولذلك فإن أخذ أرباحا من البنك لا تدخل تحت مسمى الربا المحرم بل إن تحديد ربح المودع مقدما صحيح شرعا سواء سمينا العقد الذي بين المودع والبنك عقد مضاربة أو إجارة أو وديعة استثمارية، فتحديد هذا الربح فيه إنصاف وعدل وفيه عصمة للمودع من أهواء البنوك الإسلامية التي تأبى التحديد المسبق فيطغى البنك على حقوق المودعين.

كما أن هذا التحديد لا يتعارض مع قاعدة القيمة بالغرم لأن المودع يتحمل نصيبا من الغرم عندما تسفر استثمارات البنك عن خسائر جسيمة تؤدي إلى تصفية أعماله عن طريق الهيئات القضائية، وبما أن البنوك لديها استثمارات متعددة وأجهزة استثمارية متخصصة فإنه إذا خسرت إحدى هذه الاستثمارات عوضتها في أخرى.

الاستثمار والربا المحرم

وانتهى الكاتب إلى أنه لا يستقيم وصف بعض البنوك بأنها إسلامية والأخرى ربوية لأن الربا المحرم ليس مطروحا في المعاملات الاستثمارية، ولا يصح شرعا إنزال حكم تحريم الزيادة في رأس المال بغير عوض مشروع على وظيفة استثمار مشروع - فالمستثمر لا يقترض من البنك قرضا حسنا صدقة أو إحسانا ولا يسأله دينا يفك به كربة من كرب الدنيا حتى يفك الله عن البنك كربة من كرب يوم القيامة وإنما يتعامل معه بالأخذ والعطاء يقصد الربح الاستثماري المشروع.

حيث تنتهي نسبة الربا المحرم من الاستثمار المشروع عن طريق البنوك فلا يجوز إقحام لفظ الدين على الاستثمار المشروع تحاشيا لإنزال أحكام على غير موضعها فيفقد الدين علته الشرعية كما يجب عدم وصف الاستثمار المشروع بالربا المحرم كمجرد تشهير يستثمره بعض البنوك الإسلامية التي تظلم المتعاملين معها.

ديكتاتورية الأغلبية

وتبادل المؤلف في الفصل السابع الإسلام ومستقبل الأنظمة الاقتصادية مستهدفا إثبات كيف تتجه الأنظمة الاقتصادية إلى نظام الاقتصاد في الإسلام لأنه يقضي بالاجتهاد المستمر لاستنباط الأحكام التي تتناسب مع قضايا المعاملات المتجددة، واستعراض نشأة النظام الرأسمالي ونقيضه الماركسي والأخطاء الفلسفية والعلمية التي قام عليها كلا النظامين.

وأوضح أن الالتزام بشروط الملكية في الإسلام يحقق تنمية الثروة وعدالة توزيعها ويمنع التعاون الفاحش بين الطبقات.. وأن الله تعالى إذا استخلف إنسانا في ماله فإنه يصبح وكيلا عن الجماعة ملتزما بالإنفاق منه لصالحها وفق ما أمره الله.

وأشار المؤلف إلى أن الزكاة أهم عوامل النهضة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية لأنها تؤخذ من أصل المال ولا تقتصر على عائده فتدفع صاحبه إلى استثماره كي لا تأكله الزكاة لأنها واجبة على كل مسلم.. ويتطرق إلى الاحتكار ويصف المحتكر بأنه ملعون، لأن الاحتكار يلغي المنافسة فيفرض المحتكر ما يستطيع من الأسعار..

وعندما اكتشفت الرأسمالية مضار الاحتكار أخذت دول كثيرة تضع القوانين لتحريمه واتجهت دون أن تقصد إلى أحد أعمدة الاقتصاد في الإسلام وحمل المؤلف المسلمون مسؤولية ما تعانيه من أزمات اقتصادية واجتماعية وأن تزايد الفجوة الحضارية بيننا وبين غيرنا من الأمم التي احتكمت إلى العلم حتى تبينت أنها في حاجة إلى مزيد من العمل مع نفسها وغيرها فظهرت التكتلات الاقتصادية.. واتفاق التجارة الحرة» الجات»..

والتطلع المستميت إلى إنشاء السوق شرط أوسطية التي تستهدف استثمار الأموال العربية من المنبع والمياه التركية من المصب والساحة العربية الاستهلاكية، إن منافسة القرن القادم سوف تكون بين إبداع العقول واتساع الأسواق.

القاهرة ـ عادل دسوقي