يقول الله تعالى: «ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون» الآية (النحل: 75).
لقد كان المجتمع انذاك مجتمع السادة والعبيد، فالسادة هم أصحاب الحل والعقد.. والعبيد هم المأمورون المنفذون لأوامر أسيادهم، فلا يملكون شيئاً، وليس في مقدروهم عمل أي شيء، وجرى العرف والتقليد إبَّان هذه الحقبة من الزمن «لا مساواة بين السادة والعبيد»، فإذا كان العرف سائداً والتقليد جاريا. فكيف بهم يسوون بين رب العالمين الذي يملك الأمر وبيده ملكوت كل شيء وبين أحد من خلقه وكل المخلوقات طوع أمره ووفق إرادته والكل يخضع لعظمته؟!
يقول القرطبي: كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجل حر قد رزق رزقاً حسناً، فكذلك انا (الله) وهذه الأصنام، فالذي هو مثال في هذه الآية هو عبد بهذه الصفة مملوك لا يقدر على شيء من المال ولا من أمر نفسه، وانما هو مسخر بإرادة سيده، ولا يلزم من الآية ان العبيد كلهم بهذه الصفة، فان النكرة في الإثبات لا تقتضي الشمول عند أهل اللسان.. وانما تفيد واحداً، فإذا كانت بعد أمر أو نهي أو مضافة إلى مصدر كانت للعموم الشيوعي.
ويحكي القرطبي عن قتادة قوله: هذا المثل للمؤمن والكافر، فذهب قتادة إلى ان العبد المملوك هو الكافر، لانه لا ينتفع في الآخرة بشيء من عبادته، وإلى ان معنى: «ومن رزقناه منا رزقاً حسنا» المؤمن. والأول عليه الجمهور من أهل التأويل.
وحكى عن الأصم المعنى المراد بالعبد المملوك والفرق بينه وبين سيده، وربما كان انضر وجهاً منه، لكنه ذليل لا يقدر على شيء، إلا ما أذن له فيه، فقال الله تعالى ضرباً للمثال، أي فإذا كان هذا شانكم وشان عبيدكم، فكيف جعلتم أحجاراً أمواتاً شركاءً لله تعالى في خلقه وعبادته، وهي لا تعقل ولا تسمع؟!
وقد أيد الرازي ما جاء في تفسير القرطبي، غير انه أضاف إلى هذا بيان الآراء في قوله تعالى: «عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء»، فقال: قيل المراد به الصنم لانه عبد بدليل قوله:
«ان كل من السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا»، وأما انه مملوك ولا يقدر على شيء فظاهر، والمراد بقوله: «ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهرا»: عابد الصنم لان الله رزقه المال، وهو ينفق من ذلك المال على نفسه وعلى أتباعه سراً وجهراً.
إذا ثبت هذا فنقول: هما لا يستويان في بديهة العقل، بل صريح العقل يشهد بان ذلك القدر أكمل حالاً وأفضل مرتبة من ذلك العاجز، فهنا صريح العقل يشهد بان عابد الصنم أفضل من ذلك الصنم، فكيف يجوز الحكم بكونه مساويا لرب العالمين في العبودية؟ (والقول الثاني): ان المراد بقوله: «عبداً مملوكا» عبد معين، وقيل هو عبد لعثمان بن عفان، وحملوا قوله ومن رزقناه منا رزقاً حسناً على عثمان خاصة.
(والقول الثالث): انه عام في كل عبد بهذه الصفة وفي كل حر بهذه الصفة، وهذا القول هو الأظهر، لانه الموافق لما أراده الله تعالى في هذه الآية. والله أعلم.
وجاء في «لباب النقول في أسباب النزول» للسيوطي: «أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: «ضرب الله مثلاً عبداً مملوكا»، قال: نزلت في رجل من قريش وعبده.
وفي قوله: «رجلين أحدهما أبكم» قال: نزلت في عثمان ومولى له كان يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما».
ونلاحظ هنا تعارضاً بين أقوال الرازي ورواية السيوطي. فقد قال الرازي في القول الثاني: ان المراد.. عبد معين. وقيل عبد لعثمان، في حين ان السيوطي لم يحدد وذكر ان الآية التي نزلت في حق عثمان ومولى له.. هي الآية الثانية وهي قوله تعالى: «وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم». ولعل الرازي بما أورده من القول الثالث .
وهو: انه عام في كل عبد بهذه الصفة يكون مخرجاً له، وتبقى الرواية كما ذكرها السيوطي على وضعها حتى لا يكون هناك تعارض بين الرأيين خاصة وان السيوطي دعم رأيه برواية عن ابن عباس أو ان نأخذ برأي مجاهد الذي كان يقول: ضرب الله هذا المثل والمثل الآخر بعده لنفسه وللآلهة التي تعبد من دونه، كما أشار إلى هذا الطبري.
لكن الآية قيدت العبد بالمملوك، وبانه لا يقدر على شيء، فما هي الوجهة من هذا مع ان العبد مملوك وغير قادر على التصرف؟ أثار الرازي هذا الرأي وأجاب عليه بقوله: أما ذكر المملوك فليحصل الامتياز بينه وبين الحر، لان الحر قد يقال:
انه عبد لله، وأما قوله: «لا يقدر على شيء» قد يحصل الامتياز بينه وبين المكاتب وبين العبد المأذون لانهما يقدران على التصرف (أثبت الرازي) «لا» قبل «يقدران»، وهذا ينافي معنى الكلمة الذي علله به، وقد راجعت هذا الخطأ رغم وضوحه في عدة تفاسير، وكلها تؤكد على المعنى المفهوم بداهة من سياق حديثه، وهو ان المكاتب والمأذون وان كانا عبدين إلا انه قد أذنا لهما، ومن هذا اختلف العبد عن المكاتب والمأذون، وقد أشرنا إلى هذا في هامش الصفحة).
ويقول السيوطي: وهذه الآية مثل لله تعالى وللأصنام، والأصنام كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله تعالى له الملك وبيده الرزق، ويتصرف كيف يشاء، فكيف يسوي بينه وبين الأصنام؟
وانما قال: «لا يقدر على شيء» لان بعض العبيد يقدرون على بعض الأمور، كالمكاتب والمأذون له، ويرد سؤال آخر وهو ما نوع «من» في قوله: «ومن رزقناه» ؟ يجيب السيوطي قائلاً: «من»: هنا نكرة موصوفة، والمراد بها من هو حر قادر، كانه قال: وحراً رزقناه، ليطابق عبداً، ويحتمل ان تكون موصولة.
وذكر الألوسي الرأيين، وذكر لبعضهم زعمه أن استعمالها موصولة أكثر من استعمالها موصوفة، لكنه قال: والأول مختار الأكثرين، أي حراً رزقناه بطريق الملك.
وذكر الزجاج ان في هذه الآية حذفاً، فمن الأمثلة التي أوردها في باب «الحذف» قوله تعالى: «ضرب الله مثلا» أي: مثلاً مثل رجلين، وكذلك في قوله تعالى: «مثلاً رجلين»، «أي: مثلاً مثل رجلين».
ويقول الألوسي عن الالتفات هنا: انه الالتفات إلى التكلم للإشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق، وفي اختيار ضمير العظمة تعظيم لأمر ذلك الرزق ويزيد ذلك تعظيماً قوله سبحانه: (منا).
الآية تتحدث عن مثل ضرب، وتطلب من العاقل ان يستمع بانصات، هل يستطيع ان يسوي بين العبد والحر؟ كلا.
لكن الآية جاء فيها قوله تعالى: «هل يستوون» للجمع، وكان مقتضى السياق التثنية فيقال: «هل يستويان»، لكنه جمع فهل لذلك من سر؟ يجيب البيضاوي على هذا بقوله: «وجمع الضمير في يستوون لانه للجنسين، فان المعنى هل يستوي الأحرار والعبيد؟».
ويذكر الألوسي الجواب: جمع الضمير، وان تقدمه اثنان وكان الظاهر يستويان، للإيذان بان المراد بما ذكر من اتصف بالأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان منهما، ثم ذكر الروايات التي حددت العبد وسيده، ورد عليها بانه لا يصح إسنادها أو قوله: «والله تعالى أعلم بصحته».
وقوله تعالى: «الحمد لله» عقب إيراد هذه الأوصاف يفيد عدة وجوه: الحمد لله على نعمة الله من التوحيد وغيره شمل بها أولياءه، أو ان المعنى الحمد لله وحده وليس منه شيء للأصنام، أو ان هذا الكلام قيل بعد ذكر المثل لمطابقته للغرض وكشفه عن المقصود، أو الحمد لله على قوله الحجة وظهور هذه البينة.
أما قوله تعالى: «بل أكثرهم لا يعلمون» يعني ان هؤلاء المنحرفين لا يعلمون هذه الحجة مع ظهورها الواضح.
والمثل الذي ضرب كان له تفسير، كما قال أبو السعود عندما فسر قوله تعالى: «عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء» بدل من (مثلاً) وتفسير له.
ومعنى المثل على حسب الشيخ خلف محمد الحسيني: نفى التسوية بين عبادة الأصنام وعبادة الله، ومع هذا النفي دليل عجز الأصنام الذين لا يقدرون على شيء كالعبد المملوك العاجز، على حين ان المالك لكل شيء وهو الخالق، كالرجل الحر الذي رزقه الله رزقاً حسناً، فهو يتصرف فيه كيف يشاء.
هل يستوي العبد المملوك العاجز هو والرجل الحر القادر المتصرف؟ وليس لهذا السؤال من جواب سوى النفي المطلق، وهو عدم التسوية بين الرجلين.
لقد صور المثل القراني صورة العاجز المتمثلة في هذا العبد المملوك، وصورة القادر في هذا الحر الذي بسط له في الرزق، هل يستوي العبد والحر؟ هل يستوي العاجز والقادر؟ هل يستوي المملوك والمالك؟
هل يستوي المحتاج والغني؟ بالبداهة لا. فإذا كان المشركون لا يقبلون في منطق العقل هذا وينفون التسوية بينهما، فكيف بهم يسوون بين الإله القادر والغني وبين الأصنام العاجزة التي لا تملك لنفسها فضلاً عن غيرها نفعاً ولا حياة ولا نشوراً؟ لقد كان المثل القراني مُلْزِماً ومُفْحِماً يجعل الألسنة تخرس عن الجواب، والعقول تتفتح للحق، والقلوب تستجيب للهدى عندما تفتح أبواب العلم والرشاد.
(وكالة الصحافة العربية)