قضايا التجديد في الفكر الإسلامي وحتميته ومجالاته وضوابطه ومستقبله في ظل الحداثة الغربية وقضاياه المعاصرة أصبحت من أهم القضايا البحثية في عالمنا الإسلامي، في ظل أن توجيه أحداث التاريخ والتجديد لا يأتي من فراغ ولكنه عمل يقوم به المفكرون من خلال نزعة تجديد تعتمد على التشخيص السليم لأوضاع العالم الإسلامي والتعرف على مواطن العلة فيه بهدف تقديم العلاج الصحيح والخروج بالأمة من أزمتها الحضارية الحانقة..

ومن هذا المنطلق كان مبدأ «الاجتهاد» أهم الخطوات العملية التي أقرها الإسلام للمساعدة على تطوير الفكر وتحريكه والركيزة الأساسية التي تمثل بداية انطلاق العقل المسلم لبناء حضارة الإسلام وثقافته على امتداد تاريخه.. ورغم أهمية موضوع التجديد في الفكر الإسلامي إلا أن هناك البعض من أبناء هذه الأمة يتخوفون منه ويعتبرونه بدعة ويظنون أنهم بذلك يحسنون صنعا ويحافظون على الدين الإسلامي من بدع المبتدعين وتجديد المجددين. يقول د. عبد الصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في قضية التجديد اننا نعيش في عالمنا المعاصر مجموعة من المتغيرات الهائلة التي توجب أن يستحدث لها أقضية وأحكام تتناسب ومتغيرات الزمان والمكان، مثال ذلك قضايا الأقليات المسلمة التي يقرب تعدادها من ثلاثمئة مليون يعيشون مغتربين خارج ديار الوطن الأم في ظل رعوية غير إسلامية.. ما هو حكم إقامتهم بهذه البلاد وكيف يمارسون شريعتهم.. ولماذا لم نجد من هذه الأقليات من يحسن فتواهم.

وأضاف ان من أهم المتغيرات التي توجب الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي ما أحدثته ثورة العلم من الاستنساخ للنبات والحيوان وتمضي الآن في محاولات لاستنساخ الإنسان ونقل الأعضاء الآدمية واستئجار الأرحام والاعتراق بموت الدماغ.. فما هو الموقف الأخلاقي منها بين الإقرار والإنكار فلو أنكرنا سنكون مغالطين للواقع المشهود من منجزات العلم ولو أقررناهم على استنساخ الإنسان فهل يكون ذلك تحديا لقدرة الله؟

ومن هذا المنطلق يعد الاجتهاد في مثل هذه الأحوال ضرورة من ضروريات الحفاظ على إحدى التعليمات الخمس التي قررتها شريعتنا، ولذلك فإنني أرى أن التجديد والاجتهاد يوشك أن يكون فرض عين على كل المسلمين..

كما أنه من المسائل التي تفرض علينا ضرورة الاجتهاد والتجديد ما طرأ على أساليب الجهاد في سبيل الله من تطور كان من بعض مستجداته أن يحزم المجاهدون أنفسهم بالمتفجرات ثم يقومون بتفجيرها وتفجير أنفسهم معها في أكثر أماكن العدو ازدحاماً على نحو ما يفعله المجاهدون الفلسطينيون ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وفي رأي د. عبد الله عبد المحسن التريكي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي إن موضوع التجديد في الفكر الإسلامي موضوع حيوي ومرتبط بثقافة المسلمين وعلومهم ويقصد به ما يعيد للأمة في مجموعها هويتها الدينية وينمى فيها الاعتزاز بدينها وهذا يستلزم أن ينهض العلماء بالاجتهاد في علوم الدين على تنوعها واتساع آفاقها .

كما نهض إسلامهم في مختلف العصور وكان منهاجهم في ذلك تحديد مصادر التجديد في القرآن الكريم والسنة المطهرة والفقه الإسلامي باعتباره فهما للدين وواقع الحياة.

وأشار إلى ضرورة أن تتوافر لمن يمارس مهمة التجديد الأدوات الصحيحة لفهم الإسلام ومعرفة بلغته العربية وبأصول التفسير والحديث والفقه وأن يكون لديه فهم بالواقع الذي هو مجال التطبيق وأن تكون لديه القدرة في عرض الحقائق الدينية وتزيينه للناس حتى يظل متجدداً.

ويرى أن للتجديد خصائص لا يتحقق دونها من أهمها صحة مناهجه والموضوعية فيه والثبات أمام مقاومته والنظرة المتكاملة للنجاح فيه باعتباره برنامج عمل ينبغي أن تتحقق آثاره الايجابية في حياة الناس وتجديد ثقتهم في دينهم وأنه مصدر عزهم.

ولن يكون ذلك إلا بفرص عقيدة الإسلام الصحيحة في النفوس من خلال المناهج التعليمية ووسائل الإعلام والثقافة وإقامة فرائض الدين وأحكامه في المجتمع مما يحقق للأمة أمنها الفكري والاجتماعي، ومن أبرز الأمثلة على أثر التجديد في حياة الأمم ما أحدثه الإسلام من تجديد في نفوس أبناء الجزيرة العربية على يد الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب.

وسطية الإسلام

أما د. صوفي أبو طالب المفكر الإسلامي فقد تطرق إلى موضوع الوسطية كأساس للتشريع الإسلامي، حيث شهدت البلاد الإسلامية تحولا جذريا في نظمها القانونية وحلت النظم القانونية الأوروبية ذات الأصل اللاتيني محل الشريعة الإسلامية التي كانت تحكم البلاد.

وأشار إلى أن التشريع في الإسلام يقصد به استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ويميز الفقهاء بين الشرع المبتدأ وهو لا يكون إلا من الله ورسوله متمثلا في الكتاب والسنة وأحكامها ملزمة للناس وبين بيان لحكم تقتضيه شريعة قائمة وهو ما يعرف بالاجتهاد أو الرأي وقد مر ذلك بعدة تطورات تبعا للأدوار المختلفة للفقه الإسلامي وتتميز الشريعة الإسلامية بأنها وسطية المقاصد التي تدعو إلى التيسير والابتعاد عما يشق على الناس.

وأضاف: ومن آثار الوسطية في التشريع الإسلامي أنها تدعو إلى مجتمع متوازن يراعى كافة النوازع التي تنفعل بها النفس البشرية وتوفق بين مصالح الفرد والجماعة ويعتبر الإيمان أهم مقومات الوسطية الإسلامية وهو ما يميزها عن الشرائع الأخرى حيث جاء الإسلام بتنظيم شامل لأمور الدين والدنيا معا.

وهو يختلف في ذلك مع المسيحية التي فصلت بين الدين والدولة. وأشار «أبوطالب» إلى أن دائرة الخطاب القانوني في الشرائع الغربية اقتصرت على بعض قواعد السلوك داخل المجتمع أما الشريعة الإسلامية فإنها تضع الدين على رأس المصالح الضرورية التي لا غنى عنها للمجتمع.

وهذه الغاية المثالية للشريعة هي التي أدت إلى عدم الفصل بين القواعد القانونية والأخلاقية والدينية اعتمد عليها الفقهاء في بناء كثير من القطريات القانونية في الفقه الإسلامي وبذلك يختلف الفكر الإسلامي على الفكر الغربي الشيوعي والفردي فالفكر الشيوعي يقوم على التفسير المادي للتاريخ ويعادي الدين مناديا أن لا إله إلا المادة والمذاهب الفروبة الغربية تقف موقفا محايداً من الدين وكلاهما يجعل الإنسان أسيراً لمكانه الدنيا وحدها.

مداخل أساسية

ومن جانبه قال المفكر الإسلامي د. أحمد كمال أبو المجد: إنه لم يكن غريباً أن يعرف تاريخ الثقافة الإسلامية وتاريخ الفقه الإسلامي بصفة خاصة فريقين متقابلين يميل أولهما إلى المحافظة الشديدة وفريق آخر يترع إلى التجديد وقد آن الأوان لإسدال الستار على تلك الثنائية التقليدية التي سممت الحياة الفكرية لملايين المسلمين لذلك كان لابد من التجديد الذي به خلاص هذه الأمة بإعادة العقل إلي عرشه من خلال رسم مداخل للتجديد نوجزها في:

تصحيح التصور العام للإسلام والمسلمين فالإسلام خطاب ودعوة بلغها أنبياء الله والمسلمون هم خلق الله.. ثم توسيع نطاق الاجتهاد الفقهي ليشمل أصول الفقه ولا تعني بذلك أصول الشريعة ومعاودة النظر في منهج تفسير القرآن الكريم والاستعانة بما توصل إليه العلم الحديث من نتائج ثابتة في فهم آياته ولاستدلال على إعجازه ثم إطالة التوقف عند السنة النبوية باعتبارها الأصل الثاني للتشريع وتوجيه مزيد من العناية إلى الملابسات والوقائع التي أحاطت بالحديث قولا أو فعلا والاجتهاد بتحديد ما يمكن أن يتغير من الأحكام بتغير الزمان وإعادة النظر فيما قرره العلماء الأوائل في شأن مصدرين من مصادر الأحكام وهما الإجماع والمصلحة المرسلة.

وأضاف: إن التجديد هو التحقيق لاكتمال الدين فالأركان الخمسة للإسلام هي القواعد التي بني عليها وليست هي كل بناء الإسلام إنما تعلوها أبنية وفروع تتغير وتتجدد وتتطور تبعا للمصلحة ووفقا لمقتضيات الزمان والمكان إذا كانت متسقة مع مقاصد وأصول وغايات القواعد وحدود الأركان.

القاهرة: وكالة الصحافة العربية