تعد القضية الفلسطينية قضية كل مسلمي الأرض، بما تحويه من أبعاد دينية خالصة، فلب الصراع يتمحور في الرغبة اليهودية الجامحة في اغتصاب الأراضي الفلسطينية بما عليها من مقدسات إسلامية خالصة كالمسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني المساجد التي يشد إليها الرحال، مصداقاً لقول رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، والمسجد الأقصى ومسجدي هذا وأشار إلى المسجد النبوي.

وتطور الأحداث في الأراضي الفلسطينية مؤخراً يكشف عن نوايا اليهود الصهاينة الحقيقية من رغبة في تغيير المعالم ومحو الهوية، بل وصل الأمر بهم إلى الإعلان بشكل شبه رسمي عن مخططات لهدم المسجد الأقصى بحثاً عن هيكل النبي سليمان، رغم أن كل المصادر التاريخية تؤكد كذب هذه الأساطير التي يعتمدون عليها في هذا الشأن.

وحول هذه العلاقة الشائكة بين التحركات العسكرية والمعتقدات الدينية يأتي حوارنا مع د. محمد سيد طنطاوي للتعرف على رؤيته في هذا الصدد.

* كيف تستطيع الأمة مواجهة التحديات الثقافية والصراعات المفروضة عليها؟

- التحديات أمر طبيعي والصراع قائم منذ بداية التاريخ، ولا يزال بين أهل الحق وأهل الباطل وبين العقلاء والسفهاء، بين العلماء والجهلاء وغيرهم مستمراً، فالحياة صراع سرمدي بين الأخيار والأشرار، فهذه طبيعة الحياة .

ويجب أن نتقبلها على ذلك والعقلاء في كل زمان ومكان يقبلون التحدي، والقرآن الكريم حافل بعشرات الصور من هذا التحدي مثل تحدي سيدنا إبراهيم عليه السلام للملك الجبار وتحدي سيدنا موسى لفرعون والسحرة، وقد جاء رسولنا بمعجزة من جنس ما برع فيه العرب وتحداهم.

وهو القرآن الكريم بأن يأتوا بمثله أو بأقصر سورة من سوره فعجزوا، وشريعة الإسلام تتميز بالوضوح واليسر والمساحة ولا تفرض آراء على الناس أو تقيد حريتهم، والإسلام يقبل التحدي يواجهه بسماحته ورفع الحرج عن الناس ومخاطبة العقول، ومن الضروري مواجهة العالم بالحق والصدق وجمع الكلمة ولم الشمل حتى ينصاع غير المسلمين لنا.

الشعوب الإسلامية عاجزة عن امتلاك رؤية حضارية، وتتعامل مع الأحداث برؤى متناقضة، ولم تستطع اقتحام لغة العلم والحضارة حتى تستطيع مجاراة ومنافسة الدول المتقدمة،هذا بالإضافة إلى التفرق وضياع الوحدة وعدم استغلال الطاقات والثروات في تأسيس قواعد صناعية واقتصادية.

ولابد من أن تتفاعل الحضارة الإسلامية مع كل حضارات الدنيا، وأن يتمسك المسلمون بهويتهم الثقافية وأن يرفضوا الانغلاق على الذات أو التبعية للآخر، والسلبية واللامبالاة التي تفشت في المجتمعات الإسلامية، وعندئذ يمكن لهم تحقيق التقدم والنهوض من مستنقع التخلف.

* يعتبر التطرف من أخطر الظواهر التي طرأت على الساحة الثقافية فما هو دور الأزهر في مواجهة هذه المشكلة؟

- التطرف والتشدد ظاهرة قديمة وجدت مع الوجود الإنساني، فهى ليست ظاهرة حديثة كما يردد البعض، فهى موجودة منذ أن قتل قابيل أخيه هابيل، كما تطرف كثيرون من أقوام الأنبياء فكذبوهم وسخروا منهم ومن أتباعهم وقتلوا بعضهم، والأزهر يواجه التطرف بأن يوضح أن الإسلام إنما جاء لسعادة البشرية وليس لشقائها وجاء ليبني لا ليهدم، وجاء ليجمع لا ليفرق ومنهج الدعوة في الإسلام هو قول الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هى أحسن).

* يحاول البعض تشويه صورة الإسلام من خلال إثارة الشغب حول موقف الإسلام من أتباع الديانات الأخرى، وهؤلاء يتهمون الإسلام بالسيطرة على الآخرين، فكيف تردون على هذه الاتهامات؟

_ باختصار تدعو الشريعة الإسلامية إلى الاخاء الإنساني بين جميع الناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين يقول تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم»، هذه النظرة تتميز بالصراحة والوضوح، وليس فيها ما نخجل منه أو ما يأخذه الآخرون علينا.

سلوك شخصي

* ولكن بعض الأزهريين يقودون عصابات الإرهاب والعنف والأمثلة كثيرة، وأبرزها د. عمر عبدالرحمن أستاذ الأزهر؟

- الأزهر ليس مسؤولاً عن سلوك شخص ضل طريقه واتبع الشيطان.

وهل كل خريجي الأزهر كلهم مثل عمر عبد الرحمن؟ ولماذا تذكر عمر عبد الرحمن خريج الأزهر وتنسى الشيوخ الأفذاذ على مضي العهود السابقة والحالية الذين أثروا الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية بآرائهم الصائبة الرشيدة.

* يقولون إن فضيلتك كنت وراء ترقية عمر عبد الرحمن إلى درجة أستاذ مساعد بكلية أصول الدين؟

ـ وماذا في ذلك، فأنا توليت منصب المقرر العام للجنة الترقية في التفسير والحديث بجامعة الأزهر، وكما تعلم ويعلم الجميع أن الترقية لأعضاء هيئة التدريس الحاصلين على الدكتوراه تكون من خلال الأبحاث والكتب المقدمة منهم إلى لجنة الترقيات، ولذا كان حكمي على أبحاث د. عمر عبد الرحمن وليس شخصه أو سلوكه الشخصي.

* بعد سلسلة مقالات حول أدب الحوار، هل يمكن أن تجري حواراً مع المتطرفين حتى يعودوا إلى الطريق السليم؟

- من أدب الحوار عدم التعميم في الأحكام، والاحتراض في الأقوال وتحديد المسائل والقضايا تحديداً دقيقاً، توضع فيه الألفاظ في مواضعها السليمة، ولقد علمتنا تجارب الحياة أنه ما من أمة يكثر فيها عدد العقلاء الأمناء الذين يبنون حياتهم على التنظيم السليم والتحديد الدقيق لأقوالهم وأحكامه، إلا وظفرت بما تبتغيه من رقي ونجاح، واستقرار وصلاح، لأنه سنة الله تعالى التي لا تستبدل قد اقتضت أنه سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

وما من أمة يفشو فيها التعميم في الأحكام بلا بيئة، ويكثر فيها السفهاء الذين إذا ناقشوا أو حاوروا غيرهم في مسألة من المسائل، أو قضية من القضايا سلكوا في محاوراتهم طريق الكذب وإلقاء القول على عواهنه دون دليل أو برهان، أقول: ما من أمة يكثر فيها هذا النوع من الناس، إلا وكان أمرها فرطاً، لأن سنة الله قد اقتضت أيضاً بأنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

ولن يتغير أولئك المتطرفون، الذين أخذوا على عاتقهم محاربة الإسلام والتغرير به، والتشهير بأحكامه، بعيداً عن روح السماحة، وأنا أرفض بشدة الحوار مع هؤلاء القتلة طالما رفضوا منطق العقل، وابتعدوا عن منهج الحوار، وأظن أن الكثير من علماء الدين يرفضون مثل هذا الحوار.

تجاوز الحد

* وما هو معنى التطرف في رأيكم؟

- التطرف معناه تجاوز الحد في أي عمل من الأعمال، أو في أي فعل من الأفعال، أو في أي قول من الأقوال، هذا هو المقصود بالتطرف، فالتطرف تجاوز الحد في كل أمر من الأمور، وطبعاً له أسبابه العقلية، وأسبابه العلمية.

وأسبابه الاجتماعية والنفسية، وأسبابه الشخصية وأسبابه الاقتصادية، وعرف أيضاً التطرف في صدر الإسلام فقد وجد بعض الناس يصومون أكثر من الصيام المفروض ويصلون أكثر من الصلوات المفروضة ولا ينكحون النساء فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال حديثه المشهور لا رهبانية في الإسلام.

* بعض الدوائر الغربية والاستشراقية تحاول إلصاق التطرف بالإسلام فقط رغم أن التطرف ارتبط بمعظم الأيديولويات المعاصرة فما تعليقكم؟

- التطرف والإرهاب ظاهرتان عالميتان، هذه الحقيقة يدركها المتطرفون في كل مكان، ولا مجال للمراء فيها، وطبيعة الحياة أن يكون فيها أخيار وأن يكون فيها أشرار، وكذلك يكون فيها عقلاء وسفهاء وعلماء وجهلاء.

وواجب المسلمين جميعاً أن يتعاونوا فيما بينهم، وخاصة الشباب المسلم - ليبينوا للناس أن الإسلام ضد الإرهاب والتطرف، وضد المغالاة، وضد سوء الظن والظلم والعدوان وضد القتل والفواحش وما ظهر منها وما بطن. إن المسلم مطالب بأن يحارب الإرهاب والتطرف والظلم والعدوان، وأن يحارب التخريب والإفساد في الأرض، والقرآن الكريم يقول:

(ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) . وقد أصدر الأزهر بياناً مهماً مؤخراً بعد تزايد أحداث العنف في الجزائر، أدان فيه العنف والتطرف والإرهاب الذي يروع الآمنين ويزهق أرواح الأبرياء يهدر دماءهم دون ذنب أو جريمة، ولقد أكدنا في البيان أن الإسلام بريء تماماً من تلك الأعمال.

ترسيخ الاحتلال

* إسرائيل تحمل حكومة حماس المسؤولية عن تصاعد العنف وتردي الموقف في الأراضي المحتلة؟

المسؤولية تقع على إسرائيل في تفجير الوضع في الأراضي الفلسطينية وتصعيد الأعمال الاستفزازية التي تقوم بها، لقد انتهكت إسرائيل كل المواثيق وأطاحت بالشرعية الدولية.

وتنصلت من تنفيذ قرارات مجلس الأمن التي تقضى بانسحابها من الأراضي الفلسطينية، التي احتلتها في يونيه 67 بما فيها القدس الشرقية، وما تقوم به إسرائيل هو أكبر دليل على أنها تعمل على ترسيخ الاحتلال وفرض هيمنتها على المنطقة، ومن أجل هذا فإن القوة وحدها التي يجب أن نتسلح بها لمجابهة إسرائيل.

* هناك من ينتقد موقف الهيئات العالمية الكبرى مثل مجلس الأمن والأمم المتحدة والتي لم تتخذ أية إجراءات لوقف نزيف الدماء وإدانة من تسبب فيه؟

- أضم صوتي لكل المنتقدين، لأن الأمم المتحدة إذا نكصت على أعقابها ولم تؤد واجبها نحو النطق بكلمة الحق ونحو مساعدة المظلوم فهنا لا تكون قد أدت رسالتها وإنما تكون قد فرطت وخانت وظيفتها على المجتمع الدولي دعم الفلسطينيين ورد الحق إلى أصحابه، كان على كوفي عنان التحرك منذ البداية لنزع فتيل التوتر وإلزام إسرائيل بتطبيق الشرعية الدولية وتوفير الحماية الدولية للفلسطينيين.

القاهرة: وكالة الصحافة العربية