لم يأت الاهتمام الكبير الذي يحظى به مسجد زايد الجامع في أبوظبي من قبل دوائر العمارة العالمية صدفة ولا اتفاقاً، وإنما هو يضرب جذوره في أسباب موضوعية واضحة، وهو يتزايد اليوم مع الإعلان عن انجاز 80% من المشروع وتوقع افتتاحه في رمضان من العام المقبل، أي بعد سنة من الآن.
هذا المسجد الجامع الكبير هو عمل معماري فريد بكل المعايير، في ذاته أولاً، وبحكم كونه مسجد دولة بالمعنى العلمي الصحيح ثانياً، ثم باعتباره إضافة نوعية قد تمر أجيال طويلة قبل ان تتكرر إلى عطاء العمارة الإسلامية.الطابع الصرحي للعمل ليس هو وحده ـ على أهميته ـ الذي تتوقف عنده دوائر العمارة العالمية، في غمار اهتمامها بهذا العمل المعماري الفريد، الذي يتألق تحت آفاق أبوظبي، وانما هناك أيضا الحمولات الرمزية المكثفة لهذا الانجاز المعماري.لكي نعطي هذا البعد ما يستحقه من اهتمام، يكفي ان نضرب مثالاً واحداً، كثيراً ما يستعين به الباحثون المتخصصون في العمارة الإسلامية، للدلالة على الأهمية الفائقة لهذه الحمولات الرمزية المعمارية.قد لا يعرف كثيرون انه في مكتبة قاعة البلدية في مرسيليا بجنوبي فرنسا تستقر الوثائق الكاملة لتصميم مشروع مسجد جامع صرحي هائل، أعده مهندس فرنسي، واعتمد فيه معطيات العمارة المملوكية في تصميم المساجد، ووضع طويلاً أمام محمد علي باشا ليمعن التفكير فيه، وليستقر أخيراً بعد طول تردد واستشارة على التصميم الحالي، الذي نفذ في قلعة صلاح الدين الأيوبي ليطل شاهقاً بطرازه العثماني على أفق القاهرة.
الباشا الداهية الأريب ما كان ليمكن إلا ان يحجم عن تبني التصميم المملوكي لمسجده الكبير، فالعمارة المملوكية هي الإعلان الأكثر تجسيداً ورمزية في ان للحضارة التي راكمتها مصر طبقة إثر أخرى في ظل قرون من حكم المماليك، بينما مشروع محمد علي لإقامة دولة حديثه جاء ليعلن القطيعة مع هذا كله، باعتباره صفحة ينبغي ان تطوى مع تنفيذه لمذبحة القلعة الشهيرة.
بالمقابل اختار محمد علي ان ينقش على الرخام الأبيض الشاحب النفيس رسالة واضحة، لمن يريد ان يقرأ، قوامها ان دولته لا تتناقض مع الدولة العثمانية، ولا تستهدف القضاء عليها، وإنما هي امتداد لها بلغة أخرى، وبأدوات مختلفة.
لهذا نجد ان محمد علي اختار العمارة العثمانية في أزهى تقاليدها، في القرن السادس عشر، ليستلهم منها ملامح مسجده الكبير، متجاوزاً العمارة العثمانية في عصره، التي كانت قد شرعت في التراجع والتردي، شأن الدولة العثمانية ذاتها.
الآن إذا تركنا هذا المثال التقليدي، وعدنا إلى مسجد زايد الجامع الكبير، فإننا سنجد أنفسنا أمام عمل صرحي هائل، يمتد ثراؤه إلى المحمول الرمزي الذي يقدمه لنا، حيث نرى المشروع يشدد على المعاني التي طالما أكدها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، وفي مقدمتها عمق الانتماء إلى هذه الأرض الطيبة والاستمرارية بين الماضي والمستقبل عبوراً على جسر من الحاضر، ورفض القول بوجود تناقض بين التحديث في أقصى تجلياته والعراقة في أرفع ذراها.
هكذا فإن تصميم المشروع بينما يرحب باستلهام الملامح العريقة في الذاكرة البصرية الإسلامية في مجملها، إلا انه لا يحيل إلى تقليد واحد منها، وإنما هو يحيل إلى الملامح المعمارية المرتبطة تقليدياً بهذا الجزء من العالم، سواء في تقاليد العمارة البحرية، أو تقاليد عمارة الداخل الصحراوي.
ومن هنا فإن العين تصافح أربع خصائص فريدة تتصدر ملامح هذا الجامع، أولها امتداده الهائل عبر موقع مؤلف من 55 ألف متر، وبامتداد معماري يصل إلى 43 ألف متر.
الطابع الصرحي للعمل يتجلى بصفة خاصة في التكوين الهائل لبيت الصلاة، الذي ينغلق على الخارج ذى المناخ الصعب وينفتح على الداخل متواصلاً في الوقت نفسه مع السماء والضياء عبر الصحن الممتد.
ويقيني أنه ذات يوم ستدرس في كليات الفنون الجميلة تجربة التوسع الكبير في استخدام الرخام في هذا المشروع، وهي تجربة فريدة بكل المعايير، وصلت إلى الجمع بين استخدام الرخام المكراني البديع وتوظيف الرخام اليوناني النفيس.
وكلي فضول إلى معرفة التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالمشروع الزخرفي للمسجد، ويكفي في هذا الصدد ان انقل عن خبير معماري كبير متابع لهذا المسجد وتطورات انجازه تأكيده ان المشروع الزخرفي متعاطف إلى حد كبير مع الجانب الإنشائي، بما يعد بتحقيق تكامل كبير بينهما.

