الحديث عن رمضان في زمنين مختلفين من الأحاديث المشوقة التي تثار كلما حل علينا هذا الشهر الفضيل نظرا لاختلاف وتبدل نظام الحياة في المجتمع اليمني وربما في كل المجتنعات الإسلامية نظرا لما يطرأ على ذلك النظام المعتاد والمألوف من تغيرات على مدار العام نفسه أو من حقبة إلى اخرى وفي كل الأحوال يبقى لكل زمن عاداته وذكرياته التي لا تخلو من العبرة.

فما ان يهل الشهر الكريم إلا وتتداعى ذكريات الأيام الخوالي وتجر الحنين إلى الأجواء التي عاشها المرء خاصة عندما يتعلق الأمر بأجواء لها طبيعتها الخاصة ونكهتها المختلفة مثلما هو حال أيام رمضان التي تتبدل فيها أساليب الحياة وعاداتها وطقوسها اليومية لتعلق بالذاكرة مما يستدعي مثل هذه المقارنة باستمرار حتى انها أصبحت تقليدا مكرورا ومعادا لاسيما عندما يكون الحوار بين جيلين ينتميان إلى زمنين مختلفين على أن الحوار غالبا ما يتركز حول كرم الناس بين الأمس واليوم خلال شهر رمضان المبارك.

اللافت للانتباه أن الحوار دوما في هذه المسألة يميل دائما إلى الجزم على أن الناس في الماضي كانوا أكثر كرما وسخاء عما هم عليه اليوم خاصة خلال شهر رمضان مقابل هذا الجزم هناك من يرى أن الظروف .

هي التي تغيرت وغيرت معها عادات الناس وأعرافهم. ويقول الشيخ احمد محمد الصبري (65 سنة) ان الناس كانوا في الماضي بسطاء في مأكلهم ومشربهم وملبسهم يغلب على حياتهم الزهد والورع فيجودون على الغريب بما لديهم من مأكل ومشرب وكانوا يغالبون اطماعهم بالقناعة والتقوى اما اليوم فإن اطماع النفس زادت والأهواء تلونت وتعددت فانصرفوا عن تلك العادة.

وقلما تجد من يحافظ عليها اليوم ففي كل قرية كان يوجد مسمر خاص يتوافد إليه الناس بعد صلاة التراويح ليتذاكروا في المسائل والأمور الدينية وكانوا بستهلون سمرهم بالحمد والشكر لله بشكل جماعي ثم يدخلون في أحاديث مسلية لفترة وجيزة أو يخوضون قليلا في مناقشة أمر من أمور البلدة وبعدها يقضون بقية الليلة في المذاكرة الدينية إما بقراءة القرآن والأحاديث النبوية أو تفسير القرآن أو بكتاب يفقه الحاضرين في أمور دينهم والقراءة كانت تجري بالدور بين الحاضرين كبارا وصغارا فيما الشرح كان يقوم به بعض المتفقهين والعلماء من بين الحاضرين.

أما اليوم فيقول الشيخ الصبري: اختفت مثل تلك الحلقات ولم يعد لها وجود والكثير من الناس انشغلوا بالتلفزيون، والبساطة التي كان الناس يعيشون بها حلت محلها المباهاة والمفاخرة والغريب لم يعد احد يسأل ولا يهتم به فمثلا في عهدنا إذا وفد غريب للقرية ينزل في ذلك المسمر وتتكفل القرية بإطعامه على أن يتكلف به كل بيت من بيوت القرية إذا كان شخصا واحدا أما إذا كانوا أكثر من ذلك فإن اطعامهم يتوزع على سكان القرية وفقا لقدراتهم وإمكاناتهم. أما اليوم من النادر ان تجد من يقوم بمثل ذلك الواجب.

محمد سيف رجل في الستين من عمره عندما يتحدث عن رمضان زمان في اليمن يقول كانت الحياة بالغة البساطة ويكتفي الناس بعدد قليل من الأطباق المحدودة للغاية التي كانت متشابهة إلى حد كبير لدى كل اليمنيين إذ غالبا ما كانت مكونة من التمر والثريد واللبن ومن النادر أن يوجد اللحم ولهذا كانت الدعوات مفتوحة للجميع بما فيهم الغرباء من دون أي تكلف اما اليوم الأمور تغيرت وأصناف الطعام كثرت وتعددت فهناك السمك واللحوم والدجاج والحلويات والفاكهة.. إلخ .

وأصبح وجودها يختلف من بيت إلى آخر حسب امكانات وقدرات الناس ولهذا لم يعد احد يفتح باب داره للآخرين إلا بقدر ما يستطيع لأنه لو فعل ذلك لكلفه الأمر مبالغ طائلة ولهذا أصبح كل فرد يغلق باب داره على نفسه ماعدا الميسورين القادرين على دعوة الآخرين إلى موائدهم فهم الذين حافظوا على تقاليدهم أما الفقراء فإنهم يتحرجون من دعوة غيرهم إلى موائدهم الرمضانية إلا إذا كانوا ممن يعرفونهم جيدا.

ويخلص سيف إلى التماس العذر لمن لم يستطيعوا الوفاء بتقاليدهم مذكرا بأنه رغم التنوع والتعدد لأنواع الطعام إلا أن هناك من الناس من لا يقدر على شراء تلك الحاجات وتوفير كل المتطلبات التي أصبحت ضرورية لدى البعض.

محمد الضراسي البالغ من العمر 47 عاما يرى أن إحجام الكثير من الناس عن دعوة الغريب إلى الإفطار في رمضان راجع إلى كثرة وتزايد الغرباء في المدن مؤكدا أنه في الماضي كان من النادر ان تجد غريبا بسبب صغر ومحدودية المراكز الحضرية اما اليوم فالمدن توسعت وكبرت واكتظت بالوجوه الغريبة غير المألوفة وبالتالي الجريمة انتشرت وتزايدت أساليب الاحتيال وغدا الحذر والارتياب هما المهيمنان على العلاقات بين الناس.

ولهذا يرى الضراسي أن الطباع الإنسانية ليست هي التي تغيرت وإنما الظروف والتطورات الحضرية وما نتج عنها من نمو واكتظاظ سكاني هما اللذان جعلا الناس يترددون في دعوة الغرباء إلى منازلهم ويخلص الضراسي إلى القول انه من الظلم أن يقال بأن الناس كانوا في الماضي أكثر كرما عما هم عليه اليوم مشيرا في هذا الصدد إلى أن هناك من يفضل تقديم المال للغرباء على أن يدعوهم إلى منزله.

وفيما يتعلق بالسمر في مجالس الذكر والوعظ التي كانت تحرص عليها القرى اليمنية لا يخفي الضراسي أساه على تراجع ذلك التقليد الذي كان يفقه الناس بدينهم ويهذب سلوكهم ويرشد معاملاتهم ويرى أن الانتشار الواسع للقنوات الفضائية وتعدد خياراتها ساهمت في اختفاء تلك التقاليد الدينية والروحية والتربوية ويتمنى أن يعود احياؤها بمبادرات من الناس.

من الواضح أن كل فرد له حنينه إلى العادات التي عاشها وكذلك له رؤيته لكن تلك العادات والتقاليد وإن اختلفت وتبدلت فإن جميعها يلتقي على أن لهذا الشهر خصوصيته ونكهته الخاصة المختلفة عن سائر أيام السنة كما له ذكرياته التي لا تنضب مما يستدعي باستمرار المقارنة بين رمضان زمان ورمضان اليوم.

صنعاء ـ عبدالكريم سلام: