تعتبر اللغة العربيّة من اللغات الموصولة في كتابتها، وهناك 1600 شكل للحروف العربيّة، غير أن العرب لم يتمكنوا من تطويع هذا الكم الهائل من الأشكال على آلة صُممت أصلاً لكتابة الحروف اللاتينيّة، ومن هنا بدأ السعي من قبل الجهات المصممة للحروف العربيّة المستعملة في الطباعة، خاصة حروف الحاسوب، لتقليص عدد أشكال هذه الحروف، تماشياً مع خصائص وإمكانات الآلة الغربيّة المبتكرة، وإرضاءً لها.

عملية الاختصار والاختزال والتقليص التي طالت أشكال وطرز الحرف العربي، كي ينسجم ويتوافق مع الآلة الطباعيّة الجديدة، قادها ونفذها الأجنبي الذي لا يعنيه من قريب أو بعيد، أصول وقواعد ونظم هذا الحرف، وما يمثله بالنسبة للإنسان العربي والمسلم، من تراث أصيل، وعميق، ومقدس، فهذا التراث ليس تراثه، ولا تربطه به أي علاقة، ما يهمه في الدرجة الأولى، القيام بتصنيع الآلات الطباعيّة الجديدة، وتصديرها إلى العالمين العربي والإسلامي.

وتالياً، جني اكبر قدر ممكن من الأرباح الطائلة، غير عابئ أو مهتم بقواعد وأصول ونظم هذا الحرف، وسيان عنده تشوه الحرف العربي، أو أعطبت اللغة العربيّة، أو اندثرت وضاعت، فالمهم بالنسبة له، تصنيع المزيد من آلات الطباعة هذه، وتصديرها إلى من يعنيه الأمر، وتالياً تكديس المزيد من الأرباح.

برأي العديد من الباحثين والمهتمين الغيورين على مستقبل الحرف العربي، واللغة العربيّة، والتراث العريق والهام الذي تحتضنه هذه اللغة، أن المعضلة الحقيقيّة القائمة الآن على هذا الصعيد، تكمن في أن أجهزة الحاسوب الجديدة، تشوّه كثيراً من جماليات الخط العربي، فالخطوط الموجودة حالياً في هذه الأجهزة، هي خطوط مُشوّهة، لأن الآلة الطباعيّة هذه، لم تُصمم لتناسب طبيعة وخواص الحرف العربي.

كما أن الكتابة بوساطة الحاسوب، تعتمد على سطر أفقي واحد، وهذا السطر لا يُمكّن الحرف العربي من التحرك إلى فوق أو إلى أسفل. ويرى الباحثون في مجال الحرف العربي المطبوع، أن المعضلة الأساسيّة هي أن الخط العربي يتطلب تصميم أجهزة أخرى قادرة على استيعاب كتابة الحرف العربي في أكثر من مستوى واتجاه.

من جانب آخر، أكد الخطاطون العرب والمسلمون المعاصرون، أن الحاسوب تسبب في إفساد وتشويه عدد من الخطوط العربية الشائعة، مثل خط النسخ، والخط الكوفي، وعدد من حروف خط الثلث والديواني. والحقيقة فإن غالبية الخطوط العربيّة التي تمت برمجتها ضمن جهاز الحاسوب.

وإطلاق أسماء جديدة ومختلفة عليها، فقدت فنيتها، وجمالها، ورقتها، وأصالتها، وتمايزها، وتعبيرها البصري، ذلك لأن الأحجام المتساوية التي جاءت عليها، والارتفاعات الثابتة التي نفذت فيها، أهدرت النسب الخاصة بالحرف العربي، وأفقدته عنصر التوازن، وتحولت الأفقيّة إلى حروف عرضيّة وسميكة، والحروف الرأسيّة أصبحت رفيعة وقصيرة، أما حرف الفاء والقاف، فأصبحا بلا رقبة، وحرف الباء المتصلة، تحولت وفق التصميم الحاسوبي الجديد، مشكلة فنيّة حقيقية.

والحال هذا ينسحب على الخط العربي الذي أطلق عليه (النسخ المطوّر) أو (خط بيروت). ويرى الخطاطون العرب والمسلمون المعاصرون أنه إذا كان لا بد من استخدام الحاسوب وبرمجياته المتعلقة بالحروف العربيّة، من اجل اختصار الوقت والجهد، وهو أمر ملح وضروري يرتبط بتشعبات استخدام هذا الجهاز في حياتنا المعاصرة، فإن إهدار جماليات الحروف العربيّة، والتضحية بقوانينها ونظمها، مسألة خطيرة لارتباطها الوثيق بالهويّة والتراث العربي والإسلامي.

وما يزيد الطين بلة، أن الخطوط الحاسوبيّة المشوهة وغير المتناسقة، صارت في أيامنا هذه، هي السائدة والمنتشرة والمعتمدة في غالبية وسائل الإعلام المقروءة والمشاهدة، كالصحف، والمجلات، والملصقات، والإعلانات، وأغلفة الكتب، والتلفاز، والإنترنت. كما أنها أصبحت النموذج العام المعروض والمعمول به للخط العربي.

والخطورة الكبيرة، تأتي من عملية تعميمها وانتشارها والتعود عليها، رغم ما فيها من أخطاء، وبشاعة، وعدم تناسق، وقبل هذا وذاك، خروجها عن الأصول والنظم والقواعد التي وضعها لها الأجداد، عبر عصور تاريخيّة مختلفة، ومرد هذا التشويه كما سبق وأشرنا، قيام الأجانب والغرباء عن لغتنا وتراثنا، ببرمجة هذه الخطوط وتعميمها عبر الحواسيب.

د.محمود شاهين