يعد رينيه ديكارت (1650م) مؤسس الفلسفة الحديثة وقواعد الشك المنهجي، الذي طرحه كأساس للتفكير العقلي السليم، فينبغي علينا أن نشك في وقائع الحياة، وأحداث التاريخ وما ورثناه من أفكار عن طريق التراث، ولو مرة واحدة في حياتنا، وذلك لتنقية عقلنا من الشبهات والخرافات فالشك عنده وسيلة إرادية للوصول إلى اليقين.
وقد سبقه إلى ذلك المنهج علماء الكلام لاسيما المعتزلة وبالتحديد الجاحظ والقاضي عبدالجبار، ومن الأشاعرة الإمام الغزالي، ومنهجه معروف، إذ انتابته حالة من حالات الشك فظل يعاني أكثر من ستة شهور، بعد أن ترك التدريس في المدرسة النظامية، وساح على وجهه في البلاد، ثم وصل إلى اليقين عن طريق التصوف أو المنهج الذوقي الذي يعتمد على الذكر المتواصل، والتجافي عند دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود.
لكن منهج ديكارت يختلف لأنه يعتمد على العقل الإنساني من خلال أربعة قواعد ونبسطها في الآتي: 1 ـ ألا أقبل أي شيء على أنه حق ما لم يتبين لي بالبداهة أنه كذلك أي أتجنب العجالة وأتفادى سبق الظن. ويقصد ديكارت أن نتمهل في فحص القضايا، وأن نخضعها للشك المنهجي ونستخدم الحدس والاستنباط للوقوف على مبادئها.
2 ـ أن أقسم كل مشكلة تصادفني ما وسعني التقسيم وما لزم لحلها على خير وجه، ويطلق على هذه القاعدة «قاعدة التحليل» أي رد القضية إلى عناصرها، الكل إلى الجزء، والمركب إلى البسيط، حتى يسهل فهم عناصرها واستيعابها، والحقيقة أن هذه قاعدة مهمة في حياتنا العملية لفهم الكثير من القضايا التي تواج الإنسان حتى يتبين له مجموعة العوامل المتداخلة وكيف نبسطها إلى جزئيات محددة.
3 ـ أن أسير بأفكاري بنظام، مبتدئاً بأبسط الأشياء وأيسرها علما صاعدا تدريجياً إلى معرفة أكثر الموضوعات تعقيداً، وهذه القاعدة بمثابة اختبار عكسي، ليدلنا على مبلغ الصحة في التحليل الذي قمنا به سابقاً.
4 ـ أن أجري احصاءات في كل مسألة، ومراجعات شاملة تجعلني على ثقة بأنني لم أهمل شيئاً من الأشياء، والغرض من هذه القاعدة ان يلم الباحث بجوانب القضية المراد دراستها.
الحقيقة أن هذه القواعد مع بساطتها الظاهرة، وسهولة تناولها، غاية في العمق، اذ تستفز ملكات الإنسان وتستجمع قواه العقلية في مواجهة علمية مع أي مشكلة قد تعترض حياته، وفي الوقت نفسه تحرر ذهنه من الخرافات وتجعله رافضاً قبول الأساطير، متحصنا ضد كل ادعاء زائف لم يتم البرهنة عليه. ان كلمات ديكارت، الواضحة المتميزة، أسست منهجاً جديداً، وأرست دعائم مدرسة أثرت في مجرى تاريخ الفكر الفلسفي إلى اليوم.