صَدّر محمد الحسن بن أحمد السمان الحموي ديوانه بصفحة فيها رسم «صورة» معبرة له، وتحتها ثلاثة أبيات علق فيها على الصورة، وتحدث عن شخصه وشخصيته على أن الشاعر الأديب تحدث عن نفسه، بما يكمل الصورة في قطعتين أخريين في الديوان.
وحياة محمد الحسن الحموي حافلة بالأسفار، وبألوان الاغتراب، لطلب العلم حينا ولطلب المعاش حينا آخر. فهو حموي، ولد بمدينة حماة. ودخل الأناضول للعمل مع عمه، وقصد إلى اسطنبول للدراسة. ورحل إلى مصر للدراسة في الأزهر ونيل الإجازة من علمائه.
وقد اشتغل في مصر بالتجارة حينا، وبالتعليم حينا آخر بين المدارس العمومية، والدروس الخصوصية لأولاد بعض ذوي الشأن آنذاك. وافتتح بعض المعاهد والمدارس. وكان استقراره النهائي في حماة حيث كانت وفاته سنة 1935.
وللشاعر ديوان «الحمويات» طبعه سنة 1326 هجرية وتوافق سنة 1908 ميلادية، وعلى غلافه «ديوان الحمويات، من كلام خادم العلم الشريف محمد الحسن الحموي».
وفي الديوان قصيدة طريفة أثنى فيها على الرسام الحلبي رشيد رزق الله سعد، وقال إن الفراعنة سبقوا اليونانيين في فن التصوير:
قوم بتصوير الحقائق سابقوا
في ما مضى أهل العصور الأولى
حتى بدا اليونان في تقليدهم
واستظهروا المعقول والمنقولا
جعلوا إلى التصوير شأناً زاهراً
وبه أفادوا النّاس جيلاً جيلاً
ومضى في قصيدته حتى ختم بالثناء على الرسام المذكور، وجعله ـ على سبيل المبالغة ـ يفوق رافائيل:
وجميع مَنْ في الكونِ يشهد أنه
قد فاق بالتصوير رافائيلا
والمقصود هو رافائيل الرسام والمعماري الايطالي الذي يعد أحد أعظم الفنانين في جميع العصور «1483 ـ 1520».
ومحمد الحسن الحموي معجب بنفسه، وبتعدد وجوه نشاطه، وهو في الوقت نفسه مدرك لأحوال عصره الذي أسعده حينا وضيق عليه حينا آخر، ونقرأ له في بعض شعره؛ (وهو نظم متوسط الطبقة أو حول ذلك).
أتيت في أدنى زمانٍ آخر
تأخرتْ بدوره أهلُ الفطَنْ
ما حيلتي فها أَنا مُقيّدُ
بقدرٍ تنوشني أيدي الزمنْ!
فهو يعاني كما يعاني غيره من أهل الفكر والرأي، وهو عرضة لحوادث الزمن الكثيرة.
وله من قطعة أخرى على الوزن والرويّ:
أحمدهُ سبحانه حَمْداً به
أفوزُ في الدّارين بالأجْرِ الحَسنْ
فأرتجي منه الغِنى عن خَلْقِهِ
ما عشتُ في الدّنيا إلى يوم الكفن!
..
وحين عين إماما لدار الحكومة بحماة سنة 1927 اضطر إلى تقديم امتحان كتابي، وأجاب عن سؤال عن إرادة الله تعالى بقوله (نظماً):
إرادةُ الله أراها نافِذَهْ
بها رجَعْنا القهقري تلامِذَهْ!
من بعد ما سُدْناَ الورى أساتذه
كُنّا نُعَدّ بينهمْ جَهَابذه
وهذه النزعة من ظهور الشخصية واضحة في ثلاثة أبيات وضعها تحت صورته وهو في شرخ الشباب، قال فيها:
لقد طبعتْ يَدُ الأقدار ظِلّي
على طِرْسِ الوُجود فلن يزولا
به ثبتَتْ حقيقةُ شكل شخْصي
وصَار لِرَسْمِ جُثمانْي مثيلا
كما جَعل الآلة الشمس تجري
عليه بكل آونة دليلاً!
فصورته الشمسية على الورق تحكي ظله (وجوده) في صفحة الحياة!
