عندما قامت دولة الإسلام الأولى وحاضرتها المدينة المنورة، كان فيها المشركون من سكانها ممن لم يكونوا قد دخلوا دين الله، وكان فيها اليهود، ومع ذلك لم ينفوا من الديار.

ولم يكرهوا على الدخول في دين الله الذي هو الوحيد المقبول عنده، وما عداه باطل، بل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صدرت عنه ما تسمى ب«وثيقة المدينة» أو (دستور المدينة) وهو اول دستور عرفه العالم في قيام الدول الدستورية وقد اعتبر المؤرخون المحدثون تلك الوثيقة دستوراً «لأنها أرست الشخصية الاعتبارية الدولة الناشئة وفصلت الحقوق والواجبات لكل فئات رعية الدولة، وقررت الشريعة الحاكمة وأكدت سلطتها في الداخل والخارج.

هذا ما بدأ به الإسلام مسيرته كدولة نظامية لها أسسها، التعايش مع الآخر واحترامه وتوفير كل مقومات الحياة الكريمة له، ما لم يعمل على خيانة الدولة أو محاربتها أو الطعن في عقيدتها المعلنة.

ومضى الحال على ذلك في التوسعات التي طرأت على الدولة عقب الفتوحات وترامي أطراف الرقعة الجغرافية للدولة. وحقيقة أن غير المسلمين يعيشون في المجتمع الإسلامي على قدم المساواة مع المسلمين هي حقيقة يقرها ويؤكدها التاريخ والمؤرخون وليست مجرد ادعاءات نتحيز بها للإسلام، هذا الدكتور أدمون رباط ـ على ما نقله عنه الدكتور محمد هلال في كتابه «مفاهيم معاصرة في ضوء الإسلام» يقول:

«إن من بقي من النصارى في الأقطار التي فتحها الإسلام إنما هم شهود عدل عبر التاريخ ليس على سماحة الإسلام، وهو تعبير لا يفي بالواقع لأن وجودهم، كأهل ذمة في الماضي كان مبنياً علي قاعدة شرعية وليس على شعور من طبيعته أن يتضاعف أو أن يضعف وإنما على إنسانية هذا الدين العربي الذي جاء في القرآن وهو الدين الذي أقرّ لغير المسلمين ليس فقط بحقوقهم الفردية والجماعية الكاملة بل وأيضاً بالمواطنية الشاملة «عن كتاب المسيحيون العرب ص28».

فإذا نظرنا من زاوية أخرى، أعني أوضاع الأقليات المسلمة في البلاد غير الإسلامية إن شرقاً أو غرباً وفي أرقى البلاد التي تعتبر نفسها على قمة الحضارة والتقدم والديمقراطية نجد هذه الأقليات تعاني الأمرين من جراء هضم حقوقهم الدستورية، بل وان الأمر لا يقف عند حد هضم هذه الحقوق.

وإنما يتعدى ذلك إلى الاضطهاد بحجة عدم انسجامهم في المجتمع الذي ربما تكون أجيال منهم ولدت وترعرعت في تلك المجتمعات أو حتى الذين هم من جلدتهم يزدرون ويستضعفون ولا يساوون بذويهم بسبب انتمائهم للإسلام. تحضرني كثير من المواقف التي اضطر فيها أناس عرفتهم من جنسيات أوروبية اعتنقوا الإسلام فلم يستقر بهم العيش في بلادهم فنزحوا إلى ديارنا الإسلامية ليجدوا الترحيب والتقدير والاحترام والراحة النفسية التامة.

أما مسألة الإبادة الجماعية في عصرنا هذا فشاهد القرن عليها ما حدث في البوسنة والهرسك رغم أنف شعارات حقوق الإنسان والشرعية الدولية التي تتردد بهدف الدعاية والتضليل. وإذا قال قائل بأن هناك فتناً تبرز هنا أو هناك في أوساطنا، فإن وراءها دون أدنى شك أصابع خفية تحركها ولو كذب المكذبون، وهذا الأمر في مسألة الأصابع الخفية ليس بالجديد.

فقد صاحب هذا مسيرة الإسلام منذ فجره وإلا قولوا من كان وراء اغتيال ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة، لم ينج منهم إلا الصديق، أعني من هذه المؤامرات الاغتيالية إلا بسبب أن خلافته لم تدم سوى عامين فقط وتوفاه ربه، ولو امتد به العمر لسنوات أطول من يدري ماذا كان سيحدث.

إن مسيرة هذه المؤامرات والمكر الذي يمارس فينا منهم لا تزال مستمرة، أفلا تعيش مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة تحت تهديد الاتهامات بأن الإسلام والمسلمين هم الإرهاب الذي يسبب القلق للمجتمع العالمي؟

وبهذه الذرائع الباطلة تشن علينا الحروب المدمرة التي تهلك الحرث والنسل. ان الأوضاع أصبحت بالمقلوب، هم المفسدون ويظنون أنهم المصلحون في الأرض.. عجبي!! وصدق الله العظيم القائل: «وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لايشعرون» البقرة ـ الآيتان 11 ـ 12.

ونتابع مع كتاب «المسيحيون العرب» للدكتور أدمون رباط لنقرأ فيه هذه المرة ادعاء الغرب الذي أباد المسلمين قديماً، يعود في مطلع القرن العشرين الماضي لغزو بلادنا بذريعة حماية الأقليات، ولكن الأقليات التي يدعي حمايتها وقف فارس الخوري في المسجد الأموي ليقول على رؤوس الأشهاد:

«إن مبرر وجود فرنسا في هذه البلاد هو حماية النصارى، وأنا فارس الخوري نيابة عن النصارى أطلب الحماية منكم أيها المسلمون وأرفضها من فرنسا» قال فارس الخوري قولته تلك وفي مسجد من مساجد المسلمين، إيماناً منه أنهم «نصارى الشام بكل أقاليمه» يعيشون مواطنين في بلادهم لا رعايا وأنهم يتمتعون بحقوق المواطنة الشاملة ويرفضون الغزو الاستعماري لبلادهم التي يتمتعون فيها بكل الحقوق الدستورية.

حدث هذا في مطلع القرن العشرين وتتجدد المشاهد نفسها وتتكرر السيناريوهات ذاتها في القرن 21 ولم يزل القرن الجديد في منتصف العقد الأول ما تغير هو ليس الغزو الحديث لحماية الأقليات غير المسلمة في بلاد المسلمين، وإنما لكفالة الأمن لإسرائيل التي زرعوها في بلادنا.

فأي حرب تشنّها علينا إسرائيل، فهي حرب أميركية بالوكالة والهدف الرئيس المطروح تصفية الجيوب الإرهابية الإسلامية ـ على حد زعمهم ـ مثل حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان، فإذا صفيت هذه الخلايا أو الجيوب فسيخلو الجو «للقُبّرة» لتبيض وتفرّخ ـ على حد ما جاء في شعر طرفة بن العبد.

تذكروا أيها الأحباب ما حدث للإنقاذ في الجزائر التي جاءت بإرادة الشعب، فهو ما يحدث لحماس ولحزب الله وتنبت «المحاكم الشرعية في الصومال» فهل سيخطئها السهم؟