مؤسسات حكومية وخاصة ودور نشر تقدر بالآلاف ومعارض للكتب في كل عاصمة ومدينة وقرية عربية، طبعات فاخرة وشعبية لكتب التراث والكتب المعاصرة وكتب الكترونية يحصل عليها المرء بكبسة زر وملاحق ثقافية وفكرية لكل صحيفة تصدر في بلاد العرب، اتحادات للناشرين والكتاب والصحافيين ومؤسسات توزع الكتب بأسعار رمزية أو مجاناً، مؤلفون كتاب وشعراء يعتصرون أنفسهم لخط سطور يظنون أنها ستغير من الأمر شيئاً.

ومراقبون يتعاملون مع النصوص على طريقة النص متهم حتى تثبت براءته... ثم بعد كل هذا يصدر تقرير عن اليونسكو يشير إلى أن معدل قراءة الفرد في العالم العربي لا يتعدى الدقيقتين في العام بينما تصل في أوروبا إلى ست ساعات للفرد في العام، وأن نصيب كل مليون عربي من الكتب المنشورة لا يتجاوز الثلاثين كتاباً مقابل 584 كتاباً في أوروبا و212 كتاباً في أميركا (منتدى الكتب، الشرق الأوسط 9738).

الإحصاءات تشير إلى أننا كأمة عربية لا نزال نعاني من أمية القراءة والكتابة بحجم يزيد على السبعين مليون نسمة، ولكن المصيبة أدهى وأمر عندما نقف عند أرقام تشير إلى انعدام القراءة في أمة إقرأ.

وهذا يعني إحباطاً قاتلاً لكل من يمسك قلماً ويظن أن العالم سيقرأ ما يكتبه فيعيش مخاضاً وآلاماً (من الطلق) حتى إذا ولد النص ووجد من يمول طباعته تراكمت النسخ في الأقبية والمستودعات حتى تصفر ثم تباع لأصحاب «البسطات» الذين يبيعون الكتب بربع قيمتها، هذا إذا لم يكن مآلها إلى بائعي الفلافل والسندويشات يلفون بشعر الشعراء وأفكار المبدعين سندويشة أو عرنوساً من الذرة.

في زيارة لي لبلد عربي التقيت بكاتب من ضحايا هذا الزمن العربي الرديء فقال لي إنه كان قد وصل إلى قناعة مطلقة بأن أحداً لا يقرؤه حتى استدعاه الأمن للتحقيق معه حول موضوع أثاره، فسر بوجود من قرأ له نصاً بدل خوفه من عتاب المخبرين الذي لا يكون لطيفاً عادةً.

شاعر آخر سألته عن نفاد نسخ كتبه ودواوين شعره فقادني إلى غرفة نومه وكشف لي غطاء السرير ليريني رزم دواوين شعره وقد ألفت سريراً وضع فوقها فراشه ونام لضيق المكان.

صاحب دار نشر قدم للأسواق حياة الحيوان للجاحظ بعد عناية وتحقيق وتدقيق دام سنوات ثم نشر إعلاناً عن الكتاب في دورية مجانية، سألته عن تكلفة الإعلان لأحسب لي وله كم يضاف إلى تكلفة النسخة من تكلفة الإعلان، فقال لي إنني أتمنى أن أبيع أربع أو خمس نسخ للحصول مبدئياً على تكلفة الإعلان، حوالي الثلاثمئة مليون عربي لا يستهلكون ألف نسخة من كتاب للجاحظ فكيف بالأقلام الأقل شأناً؟! وهذا يعني أن على كل كاتب أن يتناسى الناس وقراءتهم عندما يكتب ولا حياة لمن تنادي.

يكذب من يقول إن السبب سعر الكتاب لأن كل بلد لا يخلو من مكتبات عامة تعير الكتب مجاناً، ولأن سلسلة واحدة من الكتب الصادرة شهرياً والتي تباع بأسعار رمزية لو اكتفى بها قارئ ما لكان مثقفاً وعالم زمانه ومكانه.

ويكذب من يقول إن السبب انتشار الانترنت لأن بحوثاً ميدانية أشارت إلى أن أكثر من 80% من مستخدمي الانترنت يدخلون مواقع ليس لها علاقة بالثقافة، فالشات والدردشة والألعاب والأغاني وصور الفنانين وإيميلات العشاق هي ميادين استخدام الانترنت عربياً الأكثر انتشاراً.

لا أكتمكم أنني أغار من مؤلفة سلسلة روايات هاري بوتر وهي رواية الأصل فيها أنها للفتيان باعت خلال 24 ساعة 8 ملايين نسخة في بريطانيا وحدها، حيث اصطف المشترون على أبواب المكتبات صفوفاً تذكرنا بالصفوف التي كانت ولا تزال في بعض الدول العربية تقف على أبواب الأفران أو المؤسسات الإعاشية لشراء «ربطة» خبز أو «كيلو» سكر أو أرز.

أولادنا لا يريدون أن يقرأوا حتى مغامرات توم وجيري وقصص تان تان وباتمان وسوبرمان وسبايدرمان لأن التلفزيون يقدم لهم ما يريدون دون أي جهد عقلي، حتى تكاسلت العقول ولم تعد قادرة على التخيل والتحليل والتركيب مهما بلغت وسائل الترغيب والترهيب.

فإذا أضفتم إلى كل هذا أن ما ترجم إلى العربية من أيام المأمون إلى يومنا هذا يعادل ما يترجم من كتب إلى اللغة الاسبانية في عام واحد، وأن عشرة آلاف مصطلح جديد تدخل اللغة الانجليزية كل عام في مختلف مجالات العلوم والفنون في ظل عجز كامل عن تعريب عشرات أو آحاد من هذه المصطلحات.

تبين أننا كأمة تعيش خارج التاريخ وعلى هامش الحضارة وأننا غائبون تماماً عن العلم والفكر والفن المعاصر، وتكفينا الفضائيات التي تدغدغ الغرائز وتخدر العقول والصحف التي تنشر أخباراً من نوع «استقبل» و«ودع» و«دشّن» فإذا كان هذا وضعنا اليوم فما الذي سنكون عليه بعد عشرة أو عشرين عاماً، إنه فعلاً شر البلية الذي يضحك ويبكي.