تُعالج ظاهرة النمو في المفهوم الإسلامي كظاهرة جزئية من عملية الاستخلاف التي تمثل إطار حركة المجتمع وتحدده، اما مفهوم «الزكاة» الذي يعني لغة واصطلاحًا الزيادة والنماء الممزوجة بالبركة والطهارة.
وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه مادياً بمعايير الاقتصاد، في حين ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي من الله تعالى. وهو ما يقارن بالعكس بالربا الذي قال عنه الله (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) «البقرة:276».
ويتضح من ذلك أن مفهوم النمو في الفكر الإسلامي يُعبر عن الزيادة المرتبطة بالطهارة والبركة وأجر الآخرة وإن لم يتجاهل مع هذا «الحياة الطيبة» في الدنيا، بينما يركز مفهوم مًّمٌٍُِمَُّ وهو المفهوم الغربي على البعد الدنيوي من خلال قياس النمو في المجتمعات بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها، حيث تقوم المجتمعات بالإنتاج الكمي، بصرف النظر عن أية غاية إنسانية، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمرًا للبيئة ولنسيج المجتمع، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى الاضطهاد للآخر.
وفي الواقع فإن «التنمية» تعد من المفاهيم القليلة التي تجمع بين البعد النظري والجانب التطبيقي، وتستدعي الرؤية الفلسفية والغيبية للمجتمعات ومقاصد تطورها.
وإذا كانت الحياة في سريانها وحركتها لا تحتمل لونا واحدا من الوان النشاط بل تتطلب الوانا متنوعة تستجيب لطبيعة القطاعات والفروع الانتاجية في تعددها وتنوعها كان لزاما علينا ان نسلم بان فرض شكل واحد من اشكال الاستغلال والنشاط على مجموع الانشطة الاقتصادية المختلفة او غالبيتها لابد وان يعود بالضرر على مستقبل التنمية الشاملة .
اذن فلابد من اجراء توفيق او تأليف بين القطاعين العام والخاص داخل اطار النظام الاقتصادي الواحد وعندما يتم ذلك نشرع وبسرعة في تحديد الحجم الامثل لهما واختيار الاشكال التنظيمية الملائمة لنشاط كل قطاع منهما .
لقد ثبت أن زيادة الدخل لا تؤدي بالضرورة إلى حياة طيبة، وأن الإنسان يستطيع أن يحيا حياة كريمة ويحقق معظم احتياجاته دون نقود أو بدخل قليل، وأن العكس يمكن أن يحدث أيضًا إذ تبقى حياة الناس فيها معاناة كبيرة، ونقص في الاحتياجات التنموية مع توفر المال بين الناس والحكومات، قال (صلى الله عليه وسلم): «من أمسى آمنًا في سربه معافى في بدنه وعنده قوت يومه فقد حاز الدنيا بحذافيرها».
فالحياة الطيبة هي فن فردي ومجتمعي يستطيع الإنسان بمقتضاه أن يحيا سعيدًا، وقد استطاعت مجتمعات فقيرة أن تحقق لأفرادها المسكن والتعليم والغذاء والأمن دون تكاليف تذكر. وأدى التحديث إلى عجز الناس عن الحصول على هذه الأساسيات رغم الإنفاق الكبير الذي يُبذل؛ ولكنه يأتي في سياق أنظمة معيشية تتطلب تكاليف هائلة حتى يستطيع الإنسان أن يشارك فيها دون معاناة؛ فهي مصممة للأغنياء فقط، ولتحقيق ترف مكلف وغير ضروري !!