في شهر رمضان يجد الصائم متسعاً من الوقت لذكر الله عز وجل، يساعده في ذلك الجو المحيط به في كل مكان، في البيت أو في المسجد أو في الطريق، فالجميع يعيشون حالة روحية تؤدي إلى صفاء النفس وميلها إلى ذكر الله قال تعالى:« ألا بذكر الله تطمئن القلوب».
(الرعد 28) والصائم وهو يذكر ربه يجد في نفسه سعادة تجعله يشعر بالرضا والاطمئنان الداخلي، فهو في حال ذكره لله يعلم أن الله سبحانه وتعالى يذكره ويباهي به ملائكته عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله جل ذكره، لا يذْكرني عبدي في نفسه إلا ذكَرته في ملأ من ملائكتي، ولا يذكرني في ملأ إلا ذكرْته في الملأ الأعلى. (رواه الطبراني بإسناد حسن)وتستمر سعادة الصائم ويظل لسانه يردد اسم الله تعالى ولا يفتر عن ذلك.
عن عبدالله بن بسر رضي الله عنه، أن رجلاً قال يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت على فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله، (رواه الترمذي واللفظ له).
والذي يريح الصائم ويسعده أن الذكر ليس له وقت محدد أو كيفية معينة، وإن كانت هناك أوقات مفضلة لذلك قال تعالى: «فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم». (النساء 103)
قال ابن عباس رضي الله عنهما أي بالليل والنهار، في البر والبحر، والسفر والحضر، والغنى والفقر والصحة والمرض والسر والعلانية أي أذكروه في جميع الأحوال.
قال بعضهم في تفسير الذكر في الأحوال كلها أن العبد لا يخلو من أربعة أحوال، إما أن يكون في الطاعة أو في المعصية أو في النعمة أو في الشدة، فإن كان في الطاعة، فينبغي أن يذكر الله تعالى بالتوفيق ويسأله القبول. وإن كان في المعصية فينبغي أن يدعو الله أن يعينه على تركها ويسأله التوبة، وإن كان في النعمة، فينبغي أن يذكر الله بالشكر، وإن كان في الشدة فينبغي أن يذكره بالصبر ولله در القائل:
منع اللسان من الكلام لأنه
كهف البلاء وجالب الآفات
فإذا نطقت فكن لربك ذاكراً
لا تنسه واحمده في الحالات
والصائم الموفق هو الذي يحرص على ألا تضيع أوقات رمضان سدى دون أن يستفيد منها، حتى يكون مما ذكرهم الحديث الذي يقول: عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليبعثن الله أقواماً يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، قال: فجثا أعرابي على ركبتيه فقال يا رسول الله حلهم لنا (أي صفهم لنا) نعرفهم؟ قال: هم المتحابون في الله من قبائل شتى وبلاد شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه، (رواه الطبراني باسناد حسن).
وأما من ابتلى بقلب ميت لابد له من العودة إلى الله وأن يغتنم أوقات رمضان التي تمر بسرعة، يغتنمها في قراءة القرآن والاستغفار والتوبة والندم على ما فرط في جنب رحمة الله واسعة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تره، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم. وروي أن موسى عليه السلام قال: يارب من في ظلك يوم لاظل إلا ظلك؟ قال الذين أذكرهم ويذكرونني ويحاجون في جلالي فأولئك في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي، قال: يارب من أصفياؤك من عبادك؟
قال: كل تقي القلب، نقي الكفين، يمشي هونا ويقول صوابا، تزول الجبال ولا يزول، قال: يارب من يسكن حظيرة القدس عندك؟ قال: الذين لا تنظر أعينهم إلى الزنا، ولا يضعون في أموالهم ربا، ولا يأخذون في حكمهم رشا، في قلوبهم الحق وعلى ألسنتهم الصدق أولئك يسكنون حظيرة قدسي.
وتزداد سعادة الصائم عندما يعقد مجلس علم في بيته كي يفقه فيه أبناءه وزوجته إذا كانت لديه القدرة على ذلك، لأن لحلق الذكر فضل عظيم. روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ذاكر الله في رمضان مغفور له وسائل الله فيه لايخيب. وروي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفو بهم، ثم يقفون وأيديهم إلى السماء، إلى رب العزة تبارك وتعالى فيقولون: ربنا أتينا على عباد من عبادك، يعظمون آلاءك ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم فيقول الله تبارك وتعالى غشوهم رحمتي فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم. رواه الترمذي رده.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما من عبد صام رمضان في إنصات وسكوت وذكر الله تعالى، وأحل حلاله وحرم حرامه ولم يرتكب فيه فاحشة إلا انسلخ من رمضان يوم ينسلخ إلا وقد غفرت له ذنوبه كلها، ويبنى له بكل تسبيحه وتهليله بيت في الجنة.
ومن الذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، حيث الخير الكثير. قال تعالى: «إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما». (الأحزب 56) وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه فيما رواه الترمذي وحسنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة.
اللهم صل صلاة جلال، وسلم سلام جمال على حضرة حبيبك ومصطفاك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأغشه اللهم بنورك كما غشيته سحابة التجليات فنظر إلى وجهك الكريم، وبحقيقة الحقائق كلم مولانا العظيم الذي أعاذه من كل سوء.
اللهم بارك لنا في أيام وليالي شهر رمضان، ونبهنا فيه لبركات أسحاره واجعلنا فيه من المستغفرين، اللهم نور قلوبنا بنور القرآن، واجعلنا ممن يهتدي به، ولا يلتمس الهدى في غيره، واجعله سببا نجزى به النجاة يوم الفزع الأكبر، هانحن نتوجه إليك راجين عفوك، فأنت سبحانك تعلم ما في نفوسنا وضمائرنا ولا يخفى عليك أمر منقلبنا ومثوانا فوفقنا يارب في يومنا هذا وفي جميع أيامنا لعمل الخير وشكر النعمة ونصرة الحق وإرشاد الضال وهدايته ومعاونته إنك على كل شيء قدير.
اللهم لك الحمد كله، ولك الكمال كله، ولك التقديس كله، بيدك الأمر كله، وأنت على كل شيء قدير، اجعل ثنائي وحمدي وتمجيدي لك في كل حالاتي، حتى لا أفرح بما أتيتني من الدنيا، ولا أحزن على ما منعتني فيها واملأ قلبي بالتقوى واشغل بطاعتك نفسي وفزع قلبي لمحبتك واشغله بذكرك وبالعمل لك بما تحب وترضى انك ولي ذلك والقادر عليه يا الله.