«وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين»»يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»يخالجني حيرة في الحديث عن الصلاة أهو كلام معاد في شيء قديم مفهوم أم هو كلام جديد يحتاجه كثيرون لا يصلون ؟

وقد قال الإمام علي في بعض مواقفه رضي الله عنه ـ «ما رأيت حقاً أشبه بالباطل من الموت. وما رأيت باطلاً أشبه بالحق من الدنيا».

أما الموت فما ينكره أحد، غير أن الناس في لهو عنه، فلا يذكرونه، ولا يعملون لما بعده، فهو حق فيما يشهدونه، وكأنه باطل لا يصدقونه. وأما الدنيا فما يجهل إنسان تقلبها، ولا يحسبها أحد منا باقية على وضع، أو قائمة على عهد. ولكنا مع هذا نفتتن بها، ونسرف في طلابها، ونحرص على السير في ركابها.. حتى كأنها خير لا يمازجه شر ونعيم لا يشوبه كدر.. فهي باطل أشبه عندنا بالحق.

فإن الحديث عن الصلاة في كتاب الله وسنة رسوله صار واسع الجنبات، فياضاً بالتوجيهات والتوصيات، حتى بلغت الصلاة في تشريع الله مبلغها من الوضوح. فقد بين الدين أن الصلاة فرض محتم على المؤمنين، مؤقت بأوقاته «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً»فرضا محدوداً بأوقاته.

وشأن المؤمن أن يستجيب وأن لم يستجب فأين يكون الإيمان؟ وكيف يكون؟.

وبين الدين أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، وهي كذلك عند من يفقهها ويقيمها لله في دينه «إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر».

فإن هجر الصلاة وقاطع ربه هانت عليه كل فاحشة، وحسن لديه كل منكر، وضاعت ثمرات الصلاة لفقدان الصلاة.

وهل يتأتى ثمر دون شجر ؟

وبين الدين غاية الغايات للصلاة والمصلين في قوله سبحانه :«قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون ».

فما هو الفلاح؟ ومن هم المفلحون؟

أما الفلاح فأوسع من أن نحيط لأنه الفوز بما عند الله من خير وخير الله كثير لا يعلمه غير الله.

ففي الدنيا هداية، وتوفيق، وعون وتيسير، ونصر وتأييد، وترضية بما يجري به القدر، حتى تكون النعمة لدى العبد مشكورة ومباركة مصونة.

ويكون البلاء بالمكروه محتملاً، والصبر عليه مقدوراً وتخفيفاً من وقعه، والشكر أو الصبر عبادة منشودة وقربة مستجابة.

والفلاح في الآخرة مغفرة ورضوان ودرجات في نعيم مقيم وخلود هنيء في مقام عند الله أمين. ثم من هم المؤمنون الموعودون بالفلاح هذا ؟

هم المهديون بهدي الدين ما استطاعوا، والمتحرجون من غضب الله ما استطاعوا وأوضح ما ينشده فيهم الدين، هو أن يقيموا الصلاة في أوقاتها، وعلى ما ذكر الله من صفاتها.

فما كانت الصلاة في هيئتها إلا إقبالاً على الله بالتعظيم والوقوف بين يديه.

وما كانت في أقوالها غير تمجيد وتسبيح وضراعة بالتوسلات والدعوات.

وما يليق في مقام الإجلال والرجاء إلا خشوع ناجم عن رهبة، وأدب يدل على اليقين فذلك هو الفلاح.. وهؤلاء هم المؤمنون المفلحون.

وبين الدين أن الصلاة ركن في الإسلام بعد الشهادتين وأن من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين.

لأنها أخف الأركان مئونة، وأظهرها إعلاناً لشعائر الله، ولذلك كانت إقامتها فرق ما بين المؤمن والكافر، ومن دونها تنعدم في الإنسان ظاهرة الإعلام بالإيمان، ويشتبه حاله بحال غير المسلمين.

وبين الدين أن في الصلاة والصبر عليها استعانة على تحصيل الهداية من الله، وعلى قضاء الحاجات، ودفع الكربات، وإدراك الخير كله «واستعينوا بالصبر والصلاة»«وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً، نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ».

وبين الدين أن الصلاة في أي مكان طاهر، وأنها ميسرة في ملابسها، وطهارتها، وفي الصحة والمرض، وفي الحضر والسفر. وكل ذلك لتمكين العبد من الصلة بربه في كل حال.

وبين الدين كثيراً وكثيراً من فضائل الصلاة منذ شرعها الله ليلة الإسراء بعد بعثة النبي بخمس سنوات، أو نحو ذلك وجعلها خمساً وجعل أجرها أجر خمسين صلاة.

والله يعطي دون حساب ولا رقيب، والله يضاعف لمن يشاء.

إن الله غني عن عبادتنا، ولا حاجة له في صلاتنا، ولكنه يحب أن يرى عباده راكعين بين يديه ساجدين، ويحب أن يسمعهم ذاكرين ومستغفرين، ويحب أن يمنحهم من عطائه الفياض، ولهذا يفرح بعبده المقبل عليه بالرجاء، والمتودد إليه بالطاعة.

فقد تحدث القرآن عن إحجامهم عن دعوة الله ؟

قال:«فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين هم يراءون. ويمنعون الماعون ».

هنا تهديد بالويل لمن سها عن صلاته.. والويل عذاب شديد والسهو عن الصلاة هو تركها، والتخلف عنها أو عن بعضها، فما يكون إغفال الصلاة إلا من المستخف بشأنها، وغير المقتنع بها، فهو غير معترف بمشروعيتها، أو هي شيء لا قيمة له في حسابه، وإن آمن بها.

وليس هذا كالسهو في أثنائها عن شيء منها، أو عن مراعاة نظامها، فإن ذلك مغتفر، ويجبر بالسجود على ما هو مذكور في موضعه.