في أمسية من أمسيات رمضان (وردت في المحاسن والمساوئ للبيهقي وأوردها غيره) بمنزل أحد كبار الدولة في عصر الخليفة العباسي محمد الأمين تحدث البعض عن البرامكة وما نزل بهم من غضب الرشيد فأراد أحدهم أن ينال من يحيى بن خالد البرمكي زعيم البرامكة في عصر الرشيد، فقال أحد الحاضرين. كفوا عن ذلك فقد حضرت بنفسي أمرا يدل على حكمة الرجل وكرمه.
فقد كان بين يحيى بن خالد البرمكي وبين عبد الله بن مالك الخزاعي عداوة شديدة وبغضاء حتى كان كل منهما يتربص بالآخر الدوائر.
فلما ولي عبد الله بن مالك أذربيجان وأرمينية، تصادف أن رجلا من التجار أفلس وضاعت أمواله كلها وأصبح لا يجد قوت يومه. وكان لا يعلم ما بين يحيى بن خالد وبين عبد الله بن مالك من عداء بل كان يظنهما صديقين، فزوّر كتابا على يحيى بن خالد إلى عبد الله بن مالك يوصيه فيه على ذلك الرجل وصاية عميقة، وخرج بالكتاب من مدينة السلام إلى أذربيجان ووقف على باب عبد الله بن مالك وقال لحاجبه أخبره أني رسول من قبل يحيى بن خالد، فلما علم عبد الله بن مالك بذلك تعجب وأذن له فناوله الكتاب فقرأه وأدرك أنه مصطنع إذ أن ما بينه وبين يحيى لا يمكن أن يسمح بمثل هذا الكتاب، فقال للرجل:
اعلم يا هذا أني مدرك أن كتابك هذا مزور مصطنع، ولكنك وقد قطعت إلينا هذه المسافة فلن نردك خائبا، فخشي الرجل أن يكون عبد الله بن مالك يستدرجه ليقر بالتزوير ومن ثم يحاكمه، فكابر وقال كلا إن الكتاب غير مصطنع، وإن كنت تقول هذا حتى لا تعتني بأمري فرد لي الكتاب وأنا أنصرف به. فقال له عبد الله بن مالك إذاً ما دمت قد رفضتَ ما عرضتُه عليك فإني أعرض عليك أن تختار أني أستبقيك حتى أبعث إلى يحيى بن خالد فإن أقر بالكتاب عملنا به وإن كانت الأخرى عاقبناك ؟ قال قد وافقت !
فأفرد له منزلا أكرمه فيه ولكنه وكل به من لا يسمح له بالمغادرة وبعث متعجلا بالكتاب إلى يحيى بن خالد وكان في مجلسه، فوجد الكتاب مزورا عليه فعرض الأمر على الجلوس (ومن يروي القصة منهم) فأشاروا إما بعقاب هذا الرجل وإما بكشف أمره لعبد الله بن مالك حتى يعاقبه. فقال لهم يحيى بن خالد : أهذا رأيكم جميعا ؟ قالوا نعم.
قال بئس الرأي وبئست المشورة هذا رجل استجار بنا، ولم يفعل ذلك إلا بعد أن عدم الوسائل التي يرتزق منها وكون عبد الله بن مالك يرسل إلينا سائلا إيانا فهذا يعني بابا فتحه للصلح معنا ما كنت أنال فتحه بمئات الألوف، وأنتم تريدون حرمان رجل فقير تجشم عناء السفر ولاذ باسمنا وعاذ بمكانتنا، كما تريدون إغلاق باب للصلح فتحه الله بيني وبين عبد الله بن مالك ؟ هذا والله لا يكون.
ثم كتب على الرسالة: إن هذه الرسالة صدرت مني لأخي عبد الله بن مالك لفلان وهو من أخص خاصتي وقد بلغني شكك في أمره فأزل الشك، جُعلت فداك، وليكن صرفه إلي معجلا بما يشبهك.
فلما وصل ذلك لابن مالك دعا بالرجل واعتذر له وأمر له بمائتي ألف درهم وما يتبعها من دواب وبغال وجوارٍ فتوجه الرجل بها إلى يحيى بن خالد وقال له ليس لي فيها حق وحسبي أنك سترتني، قال يحيى: بل هي لك ولك عندنا مثلها!