يقول ربنا جل علاه في الحديث القدسي : ـ «إن من استسلم لقضائي، ورضي بحكمي، وصبر على بلائي بعثته يوم القيامة مع الصديقين»رواه الديلمى عن ابن عباس (رضي الله عنهما) وفي حديث آخر يقول سبحانه وتعالى: «انطلقوا يا ملائكتي إلى عبدي فصبوا عليه البلاء صبا.. . فيصبون عليه البلاء، فيرجعون فيقولون:

يا ربنا، صببنا عليه البلاء كما أمرتنا فيقول: ارجعوا فإني أحب أن أستمع صوته» رواه الطبراني في الكبير عن أبي أمامة (رضي الله عنه) أي صوته وهو يبتهل ويدعو لربه ليرفع عنه البلاء.

فالإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر خيره وشره... حلوه ومره.. وإذا أردنا أن نلخص الإيمان والإسلام... نجد إن الإسلام أساسه الاستسلام لأوامر الله تعالى فأركان الإسلام هي: الصلاة والصيام والزكاة والحج بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

أما الإيمان فهو عبارة عن التصديق بالغيبيات، والرضا بالقضاء والقدر فنحن لم نر الله عز وجل، ومع ذلك نؤمن به ونصدق بوجوده.. والملائكة غيب وكذلك الكتب السابقة والرسل فنحن لم نر الأنبياء ومع ذلك نؤمن برسالتهم جميعا ونصدق بهم وبمعجزاتهم دون أن نراها.

وطالما رضينا بالله رباً فله الحكم والأمر وله التصريف وله التدبير فلا يمكن أن يصدر حكمه أو أمره أو قضاؤه إلا عن حكمة؛ وإن خفيت على ذوى الألباب.

فعلى ذلك علينا الرضا بكل ما يأتي من الله تعالى أي الإيمان بالقضاء والقدر.

فالقضاء في اللغة هو القطع أو الفصل أو الانتهاء من الأمر والفراغ منه وإحكامه ويقول تعالى: « فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ» (فصلت آية 12)

أي فرغ من إتمامهن وخلقهن على ما هن عليه الآن.

ويقول تعالى: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاه» (الإسراء 23) أي حكم وأمر بذلك.

أما القدر فهو تفصيل القضاء: أين ؟ ومتى ؟ وكيف يكون ؟ فقد قضي ربنا تبارك وتعالى أن يخلق آدم ليكون خليفة في الأرض فذلك قضاء وأما القدر فهو شكل آدم، وطوله، وأين ينزل، وما إلى ذلك من تفصيلات. والاستسلام لقضاء الله تعالى نعني به الرضا أي أن الناس جميعاً يستسلمون لقضاء الله طوعاً أو كرهاً أي علينا أن نرضى بحكم الله تعالى فالإيمان الصادق أنه يكون للملك الذي يحكم ما يريد ويروي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام:

يا داود إنك تريد وأريد وإنما يكون ما أريد، فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.

فعجباً لأمر المؤمن يجزع ويسخط عند حدوث أية ابتلاءات له ولكن مطلوب منه العكس فلابد أن يتحمل كل شيء لأن كل الفتن اختبارات له إذا كان من الصابرين والشاكرين أم يكون من الساخطين فعليه أن يعلم أن كل شوكة يُشاكها تعتبر له تكفير لذنوبه ورفع درجات إيمانية له والتثبيت على إيمانه .

فعن أبي يحيى صهيب بن سنان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء فكان خيراً له» رواه مسلم أي أن لكل ابتلاء فهو مِنة من الله تعالى لأنها تعتبر مغفرة وتطهيرا للذنوب ورفع الدرجات فهذه قناطر الفتن (تعتبر معبرة للخير) فهي كلها خير له لأنها تعطيه من خزائن المنن (فضل وكرم وجود من الله تعالى له) فاللهم إنا نسألك إيمانا يباشر قلوبنا.. ويقينا صادقا حتى نعلم أنه لن يُصيبنا إلا ما كتبته علينا...

والرضا بما قسمته لنا، ياذا الجلال والإكرام.