جرت العادة اليمنية أن يستعد اليمنيون لشهر رمضان من وقت مبكر يبدأ غالبا مع بداية النصف الثاني لشهر شعبان والاستعداد لهذا الشهر الفضيل يسير في منحيين الأول روحي والثاني مادي.

على صعيد الاستعداد الروحي يدرك الجميع أن هذا الشهر له خصوصية مختلفة أكد عليها القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وهي أن هذا الشهر هو شهر الغفران والشهر الذي نزل فيه القرآن حيث تكبل الشياطين وتفتح أبواب التوبة مما يجعل منه فرصة ثمينة تعقد له النيات كنية التوبة ونية الالتزام بسلوك روحاني والصوم ونية ختم القرآن المداومة على العبادة.

على هذا الأساس يبدأ اليمنيون التهيؤ لأجواء وطقوس رمضان منذ منتصف شعبان كصيام بعض الأيام إلى جانب صوم منتصف الشهر والبدء بتهيؤ الأسرة ككل بما فيها الأطفال والنساء .

حيث يطغى على اجواء البيت اليمني استعداد روحي على مستوى الدلالة الرمزية والتطبيق العملي في آن واحد حيث يبادر رب الأسرة قبل قدوم الشهر الفضيل إلى شراء العديد من الوسائل التي تعمق التربية الدينية لدى أفراد أسرته مثل شراء سجاجيد وملابس الصلاة ومصاحف جديدة للصغار والكبار وللإناث والذكور على حد سواء.

وكذا شراء السبحات والسواكات من اجل تهيئة الأسرة لطقوس وشعائر دينية تنمي فيهم التعبد والتعلق بدينهم في مثل هذه المناسبة السنوية التي لها من الفضائل ما يدفع الأسرة بكاملها رجالا ونساء وأطفالا إلى المداومة على الصلاة في المساجد والاستماع لخطابات الوعاظ والمرشدين.

في مثل هذه الأجواء المنتظرة تعم الفرحة كل الأوساط وتنطلق الأهازيج المرحبة بقدوم الشهر ويكون تعبير الأطفال عن فرحتهم تلك الأبرز حضورا في المشهد الاحتفالي بقدوم هذه الشهر الكريم .

حيث يرددون الأغاريد المرحبة بألحان شجية لا تقال إلا في هذه المناسبة مثل «مرحب مرحب يا رمضان يا مرحبا بك يا شهر الصيام» و«يا تواب توب علينا وارحمنا برمضان واجمعنا» و«يا رمضان يابو الحمائم حولنا بصرة دراهم» و«الصائم صائم ربه والفاطر فطروا قلبه» كما يبادر الأطفال في الليلة الأولى إلى إيقاد شعلات النار على سطوح منازلهم ابتهاجا بدخول الشهر الفضيل وإيذانا بحياة وعادات مختلفة قوامها المداومة على ارتياد المساجد والانضمام إلى حلقات الدروس في الجوامع من بعد صلاة العصر وحتى أذان المغرب.

ومن بعد صلاة العشاء وحتى قرب منتصف الليل مما يجعل الأجواء الروحانية ممزوجة باختلاف وتبدل أساليب الحياة التي عادة ما يكون لها وقع خاص عند الجميع لاسيما الأطفال الذين يخامرهم شعور عام بالتطهر الروحي والتقرب إلى الله بغية نيل بركاته وغفرانه. إلى جانب الاستعداد لتلك الأجواء الروحية والانتظام فيها يجري استعداد مادي يطال مختلف الجوانب المألوفة وتبدأ تلك الاستعدادات في وقت مبكر .

حيث تبادر ربة البيت إلى تهيئة أجواء منزلها بالشكل الذي يمكنه أن يستقبل الضيوف بدءا من المطبخ الذي يزود بأدوات وأوان جديدة ومخزن المؤون اللازمة للأطباق الرمضانية المختلفة عن الأطباق المألوفة ولوازم تحضير الحلويات.

ومن العادات اليمنية الشائعة جلسات السمر في كل البيوت اليمنية حيث تجري تهيئة الأماكن الخاصة بالسمر سواء منها المجالس الخاصة بالرجال المعروفة بالمفرج أو الديوان أو المجلس أو المجالس الخاصة بالنساء لأن من التقاليد اليمنية المتوارثة أنه خلال شهر رمضان تفتح الكثير من البيوت أبوابها امام المدعويين للإفطار ولهذا جرت العادة أن يستعد الميسورن لتنظيم مثل تلك المآدب على مدار أيام شهر رمضان يدعون إليها الأهل والأقارب .

وغيرهم من الصائمين الذين يصطحبونهم يوميا من المساجد بعد صلاة المغرب من غير سابق معرفة بهم ومن بلدان مختلفة وبعض الأسر اليمنية تعد المجالس أو الدواوين لإقامة حلقات الذكر والأمداح خلال شهر رمضان ومثل تلك الحلقات يقصدها الناس من خارج الأسرة بينهم الفقهاء والوعاظ وسكان الحي.

كما تهيأ تلك المجالس لاستقبال الزيارات العائلية حيث تتزايد الزيارات العائلية بين الأسر في رمضان وتطول جلسات السمر حتى ساعات متأخرة من الليل خاصة مع انتشار تعاطي القات بين اليمنيين مما يوجب على كل أسرة أن تهيئ أماكن استقبال الزوار والضيوف بتنظيفها .

وإبراز جماليتها التقليدية التي تليق باستضافة الوافدين لأن العادة جرت في كثير المناطق اليمنية أن يجتمع كل الأهل والأقارب في أول يوم من أيام رمضان للإفطار والعشاء عند كبر العائلة الذي يأتونه كل أفراد عائلته للمباركة له بهذه المناسبة التي يلتئم فيها شمل العائلة كل ذلك مضاف إليه الزيارات المتكررة للمحتاجين والفقراء يلزم رب العائلة أن يستعد بتوفير متطلبات زواره وقاصديه.

كل تلك العادات أصبحت مترسخة في المجتمع اليمني منذ أمد بعيد تضفي على هذا الشهر لونا ونكهة خاصة وتلك العادات وإن بدا الالتزام بها متفاوتا من بيت إلى آخر حسب الأمكنة أو المكانة أو من منطقة إلى أخرى فإنها في كل الأحوال تصبح السمة البادية للعيان قبل قدوم الشهر الفضيل بأيام .

حيث تدب حركة نشطة في البيت اليمني وفي الأسواق على حد سواء الاستعداد تؤكد أن البلاد على موعد مع زمن مختلف وشعائر وعادات مختلفة عن المألوف ولهذا يبدأ استعداد الأسرة اليمنية لاستقبال رمضان مبكرا.

صنعاء ـ «البيان»: