لا يعبر الحديث عن النظر إلى الإسلام من منظور الخطر عن هوس بنظرية المؤامرة وإنما يشير إلى واقع ملموس يمكن أن يلمسه المرء من خلال مجموعة من المظاهر المختلفة سواء الحياتية أو الفكرية. وإذا كنا قد رصدنا في المقالات السابقة بعض الجوانب المتعلقة بهذا الجانب، فإن المتابعة الدقيقة المحايدة لما يدور في الغرب تؤكد صدق هذه النظرة.
وقد انعكس هذا النهج في النظر إلى الإسلام على أنه الخطر الحقيقي على العالم الغربي وحضارته. ويقدم لنا عالم الإسلاميات الجزائري محمد أركون، رغم باعه الطويل في الاندماج مع الغرب، صورة معبرة عن التصور القائم للمسلم والإسلام في العقلية الغربية، فيشير إلى أن المسلم في نظر الغربيين - أي مسلم - أصبح شخصا مرفوضاً ومرمياً في دائرة عقائده الغريبة ودينه الخاص وقمعه للمرأة وجهله بحقوق الإنسان وقيم الديمقراطية ومعارضته الأزلية والجوهرية للعلمنة..
ولم يعد الإسلام ينظر إليه باعتباره يمثل غيرية شرعية أو كمقابل في الطرف الآخر يقف على قدم المساواة أو كطرف جدير بالحوار أو كشريك للأوروبي وإنما هو ذلك الشخص الغائب المشار إليه بضمير الغائب، أي هو موضوع الكلام وليس ذاتا متكلمة وأنى له ذلك؟!
ويشير إلى الصورة عن الإسلام والمسلمين ما يذكره جورج قرم في كتابه «شرق وغرب .. الشرخ الأسطوري » من أنه لا شيء يثير القلق في الثقافة الغربية كنظرتها إلى الإسلام ومقاربتها له.
حيث يختار الغرب من بين الصور التي يشرف على ترويجها وصياغتها في العالم تلك التي تشرع رؤيته السلبية إلى الإسلام فيتعامل معه بصفته عقيدة كلية شاملة ورابطة اجتماعية وثيقة زمنية ودينية في آن وبصفته أيضا عقيدة متصلبة تنضح عنفا ولا تتسم بالعقلانية.
وقد انعكست هذه الصورة في أشكال كاريكاتيرية لم يسلم معها الإسلام من التحقير، فحين أراد رسامو الكاريكاتير التعبير عن الارتفاع الكبير في أسعار النفط لمصلحة المنتجين عمدوا إلى تصوير المؤذنين للصلاة واقفين على المآذن وهم يتلون آخر أنباء انهيارات أسعار الأسهم في البورصات العالمية بدلا من كلمات الآذان.
ومن هنا فإنه لم يكن من الغريب أن تبدأ معزوفة في الغرب قوامها الإسلام العدو وتشير إلى ما يعتبر خطرا إسلاميا وذلك من قبل مسؤولين غربيين أو مفكرين بشكل يفوق إمكانية الحصر غير أننا نذكر أنه مما جاء في مجال الإشارة إلى هذا الخطر وكونه يماثل تهديد الشيوعية الذي انتهى ما أعلنه السكرتير العام السابق لحلف الأطلنطي ويلي كلاس من أن «الأصولية الإسلامية» تشكل تهديدا كبيرا للغرب يشبه تهديد الشيوعية من قبل.
وكذلك ما ذهب إليه الآن جريش في مقال له بعنوان «الحروب الصليبية الجديدة» من انه قد يكون من السذاجة أن ننكر من حيث المبدأ خطر الحركة الإسلامية ويجب أن نحاول معرفة الأسباب والتنبؤ بالعواقب الناجمة عن هذه الظاهرة والتصرف حسب الأوضاع المستمرة مع إدراك أن لا شيء من هذا يمكن من الوقاية من الأسوأ وهو أمر ليس مضمونا دائماً.
ولإيضاح حجم الصورة التي يتم تكريسها بشأن الإسلام نشير إلى ما قاله كلود إمبار مدير مجلة لوبوان الفرنسية تحت عنوان الجزائر الشر المطلق في 31 يناير 1998من أن مرض الأصولية هو جزء من الإسلام ذاته إنه ألبوم صور الأسرة الإسلامية.
أما صحيفة الإنترناشيونال هيرالد تريبيون فقد قالت في عام 1993 إن الأصولية الإسلامية أصبحت التهديد الرئيسي للسلام الشامل للأمن، فيما أن افتتاحية صحيفة لوموند في عام 1997 رأت في تلك التيارات الخطر الرئيسي الذي يهدد كوكب الأرض الذي أصبح يعيش على وتيرة ما يحققه اتجاه إسلامي متشدد من تقدم.
إن الأمر ليس ولعا بالشعور بالاضطهاد أو الاستهداف كما يحاول أن يروج البعض، وإن كان لا يعدو في النهاية سوى أن يكون محاولة من الغرب لتحميل الإسلام مسؤولية كافة الأشكال الرجعية القديمة التي تعرفها المجتمعات التي يسود فيها، مما يساعد على تشويه صورته بدرجة أكبر.
صنعاء ـ «البيان»:
