يرى بعض النقاد والباحثين والفنانين التشكيليين، أن الخطاط أقرب إلى الحرفي منه إلى الفنان المبدع، المبتكر، المضيف أشياء جديدة إلى اللغة الفنيّة التي يتعامل معها. بمعنى آخر: الخطاط ليس فناناً تشكيلياً، ومن هنا فهو لا يملك إمكانيّة وامتياز التطوير وابتكار فن جديد، لم يسبقه إليه أحد من قبل.
أو هو في أحسن الأحوال، غير قادر على القيام بفعل التجديد والإضافة والابتكار، نتيجة خضوعه المحكم، والتزامه الصارم، بالقوانين والنظم والقواعد والمعايير الكلاسيكية المرتبطة، ارتباطاً وثيقاً بالخط الذي يشتغلون عليه. ويكررونه دون تدخل أو إضافة أو ابتكار. فهم (أي الخطاطون) يقلدون من سبقهم، ولا يبتكرون جديداً، بينما الفنان التشكيلي، يمارس حالة إبداعيّة ابتكاريّة، وبالتالي من حقه استخدام خطوطهم في منجزه الفني البصري التشكيلي الحديث.
هذا الرأي السلبي والقاتم، بحق الخطاطين، يرفضونه جملةً وتفصيلاً، بل يذهب بعضهم للتأكيد أنهم لا يختلفون عن الفنانين التشكيليين، بل هم كذلك، أما الفنان الحروفي فلا هو بخطاط، ولا بفنان تشكيلي، وإنما هو بين هذا وذاك، إذ يمكن أن يقبله الفنان التشكيلي في عالمه أحياناً، والخطاط أحياناً أخرى!!ويشير الخطاطون إلى ظاهرة إبعادهم من عالم التشكيل، ومن حقل الفن عموماً، ويرون أن هذا الأمر يجب ألا يقرره التشكيليون، وإنما هذه مهمة النقاد والباحثين في مجال علوم الفن. ويؤكدون أن الخط العربي بأنواعه المختلفة، يعتبر فناً تشكيلياً منذ العصور القديمة، فلطالما استخدمه الفنان التشكيلي، والمعماري، والحرفي، في إنجاز أعمال فنيّة بصريّة تعبيريّة رفيعة، احتضنت بتآلف وانسجام، الجماليّة البصريّة الشكلية، والتعبيريّة الدلاليّة، لمضامين ومقولات فكريّة عميقة.
ويتساءل الخطاطون بحسرة: كيف يقوم الفنان التشكيلي المعاصر، باستخدام أجزاء من أنواع وطرز وأنماط الخط العربي، لبناء منجز بصري حديث. فتكون بذلك، هذه الأجزاء، مفردة تشكيلية ممتازة، تسعفه في بناء هذا المنجز، ولا يكون الخط بكامله كذلك، وإنما مجرد خط كلاسيكي مكرور ومستنسخ؟!!
وهنا، يعاود الخطاطون العرب والمسلمون، إثارة المخاوف والشكوك التي تلبستهم، حول ما يتعرض له الخط العربي حالياً، من تشويه الأجهزة الحديثة له، خاصة الحاسوب والمطابع، ما يعني فقدانه، بالتدريج، لقواعده وأصوله، وتالياً ضياعه وتشويهه. فقد عانى الخط العربي من التشويه، رضوخاً لظروف الآلة الجديدة التي صُممت في الأصل، لطباعة الكتابة اللاتينية، ومسألة الطباعة وعلاقتها بالخط العربي، مسألة دقيقة وهامة وخطرة، لم يتعرض للبحث فيها وتحليلها والتنبيه إليها، إلا القليلون؟!!
على هذا الأساس يؤكد الغيورون على الخط العربي ومستقبله، أن علاقة الحروف الطباعيّة بالعرب، علاقة مهزوزة، ذلك انه لم يبادر أي من الخطاطين العرب، على مدى ما يربو على قرنين من بداية ولادة الطباعة، إلى العمل في هذا المجال. ثم إن غالبية الذين قاموا بتصميم حروف الطباعة (خاصة الأوائل) كانوا من الهنود والرومان والإيرانيين والهولنديين، ولم يتدخل عربي واحد للقيام بمهمة تصميم حروف أمته الطباعيّة؟!!
يُرجع مثيرو الهواجس والمخاوف والشكوك، حول هذه الإشكالية القوميّة والفنية، إلى وضع العالم الإسلامي أثناء الحكم العثماني وتعنته في وجه حركات التجديد.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، يعزون تردي وضع الخط العربي، أو جانب منه، إلى زهد الخطاطين العرب والمسلمين بالالتفات، إلى تطوير هذا الخط، وتحسينه، ورعايته، والاهتمام به، لقناعتهم المطلقة، أن قيامهم بكتابة الآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة، بأيديهم، هو ضرب من التقوى الذي يجب المحافظة عليه.
وبالتالي، أهملوا وسائل الطباعة الحديثة، ما جعل تصميم الحرف العربي يتعطل إلى العام 1790، عندما بادر أول عربي هو (عبد الله زاخر) من لبنان، للقيام بهذه المهمة التي لا تزال مبتورة، ومجتزأة، وبحاجة ماسة، للدراسة والتدقيق، خاصة بعد هذا التطور المذهل، في استخدام الحاسوب الذي بات يُنجز وينفذ مطبوعاتنا كافة، بدءاً من الكتاب، وانتهاءً بالمجلة والصحيفة والملصق وغيره من وسائل الإعلان والإعلام المختلفة.
د.محمود شاهين

