تشغل قضية الاختلاف والاتفاق في الإسلام حيزا كبيرا، وحديثا حول الرأي الآخر طويلا وهي قضية هامة في ظل حالات الجدل المتفشية اليوم حول كل شيء وكل فكرة، ومن خلال كتاب الرأي الآخر في الإسلام يؤكد المؤلف فوزي شعبان رفض الإسلام لديكتاتورية الرأي بل إن الإسلام يدعو إلى احترام الرأي الآخر.
وكتاب «الرأي الآخر في الإسلام» للكاتب الصحافي فوزي شعبان، يحتوي على فصلين، ففي الفصل الأول يشير إلى الرأي الآخر في أيام النبي عليه الصلاة والسلام، أما في الفصل الثاني فيبين الرأي الآخر بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، ويظهر الفرق بين الفترتين، مشيرا أيضاً إلى أن الاستماع إلى الرأي الآخر، يحيي النفوس وينعش الهمم، ويجدد شباب الأمة.
تواجه ديكتاتورية الرأي وتنتصر دائماً الحرية والديمقراطية. يبدأ المؤلف الفصل الأول في الكتاب، باختبار النبي صلى الله عليه وسلم لوحدة كلمة المسلمين وثباتهم على رأي، ومدى إيمانهم بالقضية التي خرجوا من أجلها يحملون رؤوسهم على أكفهم، وذلك عند خروجهم لمقاتلة قريش في موقعة بدر، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم، إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فما تقولون؟ آلعير أحب إليكم من النفير؟
وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يخيرهم بين الغنيمة والحرب. قالت طائفة ضعيفة الإيمان: بلى العير أحب إلينا من لقاء العدو. وتغير وجه الرسول لما سمع. ولكن كلمات المقداد غيرت الموقف، وأخذ النبي يدعو له، قال المقداد: يا رسول الله إمض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى:
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. ويقول المؤلف أراد النبي أن يعرف الرأي الآخر للناس لكي يطمئن قلبه فقال: أشيروا علي أيها الناس. فقال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا «الأنصار» يا رسول الله.
أجل فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً.
وأشرق وجه النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان يخاف أن تقتصر حماية الأنصار له داخل المدينة فقط يمنعونه مما يمنعون عنه أبناءهم ونساءهم. وحمد الله على وحدة الرأي والكلمة بين المهاجرين والأنصار. وقال وهو يحمد الله على فضله: سيروا وأبشروا فإن الله تعالى وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم.
ويذكر المؤلف أن المشاورة والمداورة والأخذ بالرأي الأصلح في الحرب هو الذي يقود جيوش المسلمين إلى النصر، وليس من المهم من يكون صاحب الرأي أو مركزه الاجتماعي، فالآراء ليس لها صلة بذلك، وإنما صلتها بصاحب الفكر الحسن لأنها بنت فكره وعقله وإدراكه، سواء كان ذاك ثراء أو نفوذا أو عبداً أو واحدا من عامة الناس، فيقول المؤلف لقد فعل الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك عندما أشار عليه الحباب بن المنذر أن يتخذ مكاناً آخر وقال له: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله تعالى ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هي الرأي والحرب والمكيدة. فقال الحباب: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فإني أعرف غزارة مائه وكثرته بحيث لا ينزح فتنزله، ثم نقدر ما عداه من القلب ثم تبني عليه حوضاً فتملأه ماء فنشرب ولا يشربون. فقال النبي راضياً سعيداً: لقد أشرت بالرأي. وأخذ النبي برأيه، وقام المسلمون لتنفيذه،.
ولم يتمسك الرسول برأيه بعد أن رأى أحد المسلمين وخطأ رأيه، فقد ألهمه الله عز وجل نعمة الحكمة والرؤية الصحيحة، ولا عيب في أن يأخذ بها وينفذها طالما أنها تقود المسلمين إلى النصر، ووضع بذلك قاعدة أساسية في القيادة والحكم: والمشاورة والتشاور والحوار للوصول إلى الرأي الصحيح، وهي قيمة الديمقراطية الفكرية في القيادة والريادة.
يشير المؤلف إلى قوة ومكانة المسلمين بعد بدر، وذيوع انتصارهم على سادات مكة وأبطالها في طول الجزيرة العربية وعرضها إلا أن ذلك لم يدفعهم إلى استعمال القوة البدنية في إرغام الناس من نصارى ويهود وكفار على دخول الدين الإسلامي، وإنما ترك الأمر لهم، فمن رغب في دخول الإسلام فعل، ومن لم يرغب كان حراً يمارس عقيدته دون إكراه أو تدخل أو وصاية من أحد..
فيذكر المؤلف رجلا من الأنصار من بني سالم له ابنان تنصرا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وعملا في التجارة بين مكة والمدينة والشام، وقاما بزيارة أبيهما الذي كان قد أسلم وحسن إسلامه، فأمسك بهما ولم يتركهما أبداً حتى يعتنقا الإسلام ويتركا دين النصرانية. وتمسك الولدان بدينهما ورفضا الاستماع إلى تهديد أبيهما والانصياع له وتنفيذ طلبه باعتناق الإسلام.
وتأزم الموقف بين الأب المسلم الذي يريد لولديه أن يشهدا بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويفوزان بالجنة. وبين إصرار الولدين على موقفهما والتمسك بدينهما النصراني يقول المؤلف.. لقد أبى الولدان وتمسكا بموقفهما. وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم. وقال الرجل للرسول: أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟
فأنزل الحق تعالى قوله: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم» وأخلى الأب سبيل ابنيه وهو حزين فلا إكراه في الدين، وكل امرئ بما اكتسب رهين. وقد تمسك كل برأيه الذي أرتأى. وأقرهما الإسلام على ذلك.
ويشير المؤلف إلى سخونة الحوار بين كبار المسلمين وفقهائهم من المهاجرين وبين أحبار اليهود وسدنة معابدهم، أحبار اليهود يريدون أن يؤكدوا أن دينهم هو الأصل وأنه لا نبي بعد موسى عليه السلام، والمسلمون يؤكدون بدورهم أن الرسالة الموسوية انتهى أمرها مع ظهور عيسى عليه السلام بدينه ورسالته الجديدة.
وهذه أيضاً انتهى دورها مع ظهور محمد عليه الصلاة والسلام كآخر الأنبياء والمرسلين، وإن الإسلام لا يفرق بين أحد من رسله وأنبيائه، مؤكدا أن الحوار ضاق على اليهود وأمسك برقابهم واعتقل ألسنتهم وأفكارهم، وقالوا للمسلمين: فمن أولى بالله منكم، وأقدم منكم كتاباً، ونبياً قبل نبيكم، فيجيب المسلمون:
نحن أحق بالله، اعترفنا بموسى رسولاً وبعيسى رسولاً، وآمنا بمحمد عليه الصلاة والسلام رسولاً ونبياً، وصدقنا كل الرسالات والكتب السماوية السابقة.
ويذكر الكتاب أن استمرار الحوار والجدل، والفكر العقائدي بين المسلمين واليهود حتى انتصر الرسول والمؤمنون معه في موقعة بدر، وعادوا بالأسرى إلى المدينة وفيهم صناديد قريش ووجهاؤها وكبار أهلها بعد أن أطاحوا بمن أطاحوا في الموقعة، فأيقن بعض اليهود أنه نبي من عند الله فآمنوا به ودخلوا في دين الله.
ولكن فريق آخر منهم أبى أن يقبل الأمر، ووجد فرصة يؤجج بها الخصام عندما تحولت القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة الشريفة وذهب فوج من اليهود إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقالوا له: يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يعرف أنهم كاذبون، وأنهم منافقون يريدون فتنته عن دينه. وأنزل الحق تعالى:
«سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم»، ذاكرا محاولة اغتيال النبي، عندما انشغل المسلمون بأمورهم وتجفيف ملابسهم، بعد معركة مع رجل يدعى دعثور بن الحرث الغطفاني من بني محارب، وهطلت الأمطار بغزارة، وغفل المسلمون عن مراقبة دعثور الذي كان يراقبهم من على بعد لتحين الفرصة المناسبة للهجوم عليهم.
. فأبصر الرسول عليه الصلاة والسلام وقد اضطجع تحت الشجرة منفرداً. فأسرع إليه يهاجمه حتى وقف فوق رأسه، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من يمنعك مني اليوم؟ الله. قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبات ويقين، وامتلأ قلب دعثور خوفاً ورعباً مما شاهده، وسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: من يمنعك مني؟ فقال خائفاً مذعوراً: لا أحد والتقط أنفاسه، وأمسك نفسه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
فأعاد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه وانطلق الرجل إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، وأسلم الكثير بعد أن أخبرهم بما رأى وما سمع من رسول الله ومن المسلمين في تسامحهم وتراحمهم وخوفهم على بعضهم البعض.
ويشير الكاتب إلى موقعة أحد.. والتفاف المهاجرين والأنصار حول رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب صلاة الجمعة بعد أن قص عليهم رؤياه، يسألونه ماذا يفعلون، وقريش بخيلها، وفرسانها على مقربة من المدينة..
ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يشأ أن يخبرهم برأيه حتى يتبين رأيهم، فالرأي شورى بين المسلمين، قال عبدالله بن أبي: يا رسول الله، إن مدينتنا عذراء ما فضت علينا قط، وما خرجنا إلى عدو قط منها إلا أصاب منا وما دخل علينا قط إلا أصبناه، وجاء رأي عبدالله بن أبي، موافقاً لرأي رسول الله عليه الصلاة والسلام والرؤيا التي رآها.
ولكن رأياً آخر عارض ذلك بشدة، وطالب بالخروج للقاء العدو، أمثال حمزة بن عبدالمطلب، وعدد كبير من شباب الأوس والخزرج وقد أخذ يتخايل بسيوفه ودروعه وكأنه يستعرض قوته وفحولته ويزهو بشبابه وكأنه ذاهب إلى رحلة صيد، أو رحلة ترفيه. ولم يكن أمام رسول الله إلا الخضوع لرأي الجماعة، وأمرهم بالاستعداد جيداً.
ودخل بيته برفقة أبي بكر وعمر بن الخطاب للاستعداد للمعركة، وارتداء لباس الحرب، فالحرب إما نصر أو هزيمة، اختلفت آراء المسلمين قبل المعركة فانهزموا وأمر كتيبة الرماة بالبقاء خلف جنود المسلمين لحمايتهم من الخلف خوفاً من قائد الفرسان في قريش خالد بن الوليد حتى لا يأخذهم على حين غرة. ولكنهم لم يفعلوا وقد شاهدوا جند المسلمين وقد انتصروا على قريش، ويحملوا الأسلاب التي تركوها وهربوا..
فطمع بعض الكفار، ورأى خالد بن الوليد ذلك فدار من خلفهم وحمل على المسلمين، فاضطربوا وتفرقت صفوفهم، وتملكهم الرعب حتى كان بعضهم يضرب بعضاً من الخوف، وفي سياق ما سبق يذكر المؤلف أن مثل ذلك حدث بعد أربعمائة وألف سنة يوم نكسة 1967 عندما أعجبتنا كثرتنا العددية وأعلن عبد الناصر عن إلقاء اليهود في البحر.. فألقوا بنا نحن خارج سيناء وبقوا هم على الضفة الشرقية وطول سيناء، وينقلنا المؤلف في الفصل الثاني من الكتاب إلى الرأي الآخر..
وبعد وفاة النبي، واحتدام الخلاف والرأي وجثمان النبي ما زال مسجى في بيته ولم يوار الثرى بعد، وكان عدد من المهاجرين والأنصار ممن هزمهم الخبر الحزين ولم يصدقوا الأمر ـ كما فعل عمر بن الخطاب ـ ثم تأكدوا منه بعد أن استمعوا إلى حديث أبي بكر وهو يقول: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات.. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
القاهرة ـ أيمن رفعت:
