قال تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) فقد أجاز الشرع الحكيم أن يعدد الرجل حتى يصلن إلى أربع ضمن شروط تحقق المصلحة المرجوة منها.

ومن حكمة التعدد أن الزوجة قد تكون عقيما أو لا تصلح للحياة الزوجية لمرضها، والزوج يتطلع إلى الذرية وهو تطلع مشروع، فمن العدل والإنصاف والخير للزوجة نفسها أن ترضى بالبقاء زوجة، وأن يسمح للرجل بالزواج بأخرى.

وأيضاً قد لا يكفي الرجل زوجة واحدة لنشاطه الجنسي، والمرأة عادة تكون معطلة وعاجزة عن مشاركته هذا النشاط أيام الحيض والولادة والنفاس، وقد لا يصبر الرجل على ذلك طيلة هذه المدة، فمن العدل أن لا يضيق عليه الأمر بل نيسره له بإباحة الزواج له بأخرى.

وكذلك قد تكون المرأة من أقارب الرجل ولا معيل لها، وهي غير متزوجة، أو أرملة مات زوجها، ويرى هذا الرجل أن من أحسن الإحسان لها أن يضمها إلى بيته زوجة مع زوجته الأولى، فيجمع لها العفاف والإنفاق عليها، وهذا خير لها من أن يتركها وحيدة ويكتفي بالإنفاق عليها.

وقد تكون المرأة قد مات زوجها شهيداً وهي لا تزال شابة أو بحاجة إلى زوج، فمن الخير والصيانة لها أن تكون زوجة ثانية لزوج يرغب في نكاحها وترغب في نكاحه.

وقد يكون في زمن معين أو مكان معين عدد النساء أكثر من عدد الرجال، ولا سبيل إلى سبيل تصريف الزائد من عدد النساء إلا عن طريق تعدد الزوجات إذا أريد للمرأة الكرامة والصيانة والحفاظ على شرفها، ومن دون ذلك تبقى عانساً أو عرضة لضياعها وسقوطها وفقدان شرفها.

وفي أعقاب الحروب تظهر عادة مشكلة كثرة النساء، وقلة الرجال بسبب فقد الأزواج والرجال، وما ينتج عن ذلك من كثرة الأرامل والنساء الباكرات مع قلة الرجال، وهذه مشكلة خطيرة جداً وتلقي بثقلها على المجتمع المبتلى بها، ولا سبيل لحلها إلا بطريقين إما بتعدد الزوجات بل تشجيعه حتى يمكن امتصاص الزائد من عدد النساء،.

وإما بترك النساء في المجتمع عرضة للضياع وإغماض العين عن تنقلهن في أحضان الرجال الفاسقين عشيقات يتمتع بهن هؤلاء الفساق، وليس لهن من كرامة الزوجة ولا حقوقها شيء، والطريق الأول هو الأحسن والأسلم.

وفي التعدد كثرة النسل وكثرة الأيدي العاملة، ومن هذه الكثرة قوة الأمة وزيادة في إنتاجها ومصلحة مؤكدة لأفراد العائلة.

وهناك مصالح مشروعة تدعو إلى الأخذ بالتعدد فالحاجة إلى توثيق روابط بين عائلتين، أو توثيق الروابط بين رئيس وبعض أفراد رعيته أو جماعة، ومما يحقق هذا الغرض هو المصاهرة أي بالزواج وإن ترتب عليه تعدد الزوجات.

وقد يعترض البعض بقوله: إن في تعدد الزوجات وجود الضرائر في البيت الواحد وما ينشأ عن ذلك من وجود خصومات وعداوات، وجواب ذلك أن النزاع في العائلة قد يقع بوجود زوجة واحدة، وقد لا يقع مع وجود أكثر من زوجة واحدة، ولو افترضنا وجود خصام: لكنه مفتقر لفوائده الكبيرة والعامة.

وقد يعترض أيضاً بأن إباحة التعدد يهدم قاعدة المساواة بين الرجل والمرأة، والجواب عن ذلك أن المساواة ليس مطلقة في كل الأمور، بل يعد هذا من باب التشابه لا المساواة، نعم المساواة في قواعد التعامل الكبرى لا في المسائل الجزئية التي نجد فيها أنفسنا مضطرين إلى اختلاف الحكم بين الرجل والمرأة.

وعموماً فالتعدد شرعه الله لكل الأزمان هو حل لمشاكل يمكن أن تعترض البشرية في مسيرتها.

زكريا الطحان