يعتقد البعض أن الشريعة الإسلامية عجزت عن تقديم أطروحة متكاملة فيما يتعلق بالتعاون الدولي بين الأمم الإسلامية وغيرها من الأمم الأخرى، وما يرتبط بها من قضايا الحرب والسلم وغيرها من القضايا الدولية، في حواره لـ (وكالة الصحافة العربية) بالقاهرة يؤكد فضيلة الشيخ د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف أن الإسلام استطاع أن يعالج كل الأمور المتعلقة بنظرية العلاقات الدولية بشكل يضمن الاستقرار والسلام والوئام العالمي،
إلا أن سيطرة قيم الكيل بمكيالين وغلبة الوهن والضعف على الأمم الإسلامية جعلت من إمكانية تطبيق هذا الطرح الإسلامي من الأمور الصعبة للغاية، مشيراً إلى أن الاحتلال الأميركي للعراق من الأمور غير المبررة والمرفوضة إسلامياً ومثلها التصرفات غير المسؤولة التي تصدر بشكل مستمر عن الكيان الصهيوني في إطار علاقاتها مع الجيران.
* عانت الأمة الإسلامية في العقود الأخيرة ويلات حروب عديدة.. فمتى تكون الحرب مشروعة في نظر الإسلام؟
مما اتفقت عليه جميع الشرائع السماوية أن السلام بين الناس هو الأصل، وأن الحرب لاتكون إلا دفاعاً عن النفس والدين والعرض والمال والوطن.
وقد بين القرآن الكريم ذلك بياناً واضحاً في قوله تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله..) (سورة الحج ـ الآيتان 40-39).
وقد ذكر كثير من المفسرين عند تفسيرهم لقوله تعالى (إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا..) أن هذه الآية هي أول ما نزل من قرآن في شأن مشروعية القتال من أجل إحقاق الحق وأبطال الباطل.
قال الإمام ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية ج17 صـ 12: عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبوبكر: أخرجوا نبيهم ليهلكن، فأنزل الله هذه الآية، وهي أول آية نزلت، أي في شأن القتال.. أي:
أذن الله تعالى للمؤمنين ورخص لهم بأن يقاتلوا الذين ظلموهم وأذوهم واعتدوا عليهم، وأن الله عز وجل لقدير على نصر هؤلاء المظلومين الذين أخرجهم الظالمون من ديارهم بغير حق ومن دون أي سبب من الأسباب سوي أنهم كانوا يقولون ربنا الله ولن نشرك به، فالآية الكريمة تهييج للمؤمنين وتشجيعا لهم على قتال أعدائهم المعتدين من دون تردد أو تهيب وإرشادهم على أن يجعلوا قتالهم من أجل نصرة الحق ودحر الباطل لا من أجل المطامع والشهوات.
ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى رضي الله عنه أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله، الرجل يقاتل للغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، أي ليتحدث الناس بشجاعته وليظهر بينهم، والرجل يقاتل حمية، أي من أجل العصبية الباطلة، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.
وقد جاءت أحاديث النبي ووصايا الخلفاء الراشدين لقوادهم بالنهي عن قتال غير المقاتلين، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن بريده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه، «اغزوا في سبيل الله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع أي الأحبار والرهبان».
وقد جاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فأكدت هذا المعنى، بأن بينت أن من يقتل وهو يدافع عما أوجب الشرع الدفاع عنه فهو شهيد.
أنت شهيد.
* وكيف فرقت السنة بين الشهيد والقتيل؟
من الأحاديث التي وردت في ذلك ما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن سعد بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد».
وأخرج الإمام مسلم في صحيح أبي هريرة رضي الله عنه قال:
جاء رجل الى النبي فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أن يأخذ مالي؟ فقال لي «فلا تعطه مالك» قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله قال: «أرأيت إن قتلني فقال» فأنت شهيد قال أرأيت إن قتلته؟ فقال: فهو في النار..
وهكذا نرى أن الحرب في الإسلام لم تشرع إلا من أجل دفع الظلم والعدوان، وقد وضعت شريعة الإسلام للحرب شروطاً وآداباً من أهمها: أن القتال إنما يكون للمقاتلين، أما غيرهم فلا يجوز الاعتداء عليهم، وهذا واضح تماماً في قوله تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (سورة البقرة الآية 190).
أي وقاتلوا ـ أيها المؤمنون ـ من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل الذين أعدوا أنفسهم لقتالكم ولا تتجاوزوهم إلى غيرهم ممن لم يشتركوا في قتالكم كالنساء والصبيان ومن في حكمهم، واعلموا أن الله عز وجل لا يحب من يعتدي على غيره بأي لون من ألوان الاعتداء.
عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انطلقوا باسم الله وعلى ملة رسول الله ولا تقتلوا شيخاً فانيا أي متقدما في السن ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلوا، أي ولا تخونوا وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين».
ومن وصية أبي بكر الصديق لأسامة بن زيد وجيشه، حيث أرسلهم لقتال أهل ابني، وهي قرية على حدود الشام الجنوبية قرب مؤتة: زيا أيها الناس قفوا أوصيكم بوصايا فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيرا ولا شيخا كبيراً ولا امرأة ولا تعقروا ـ أي تقطعوا ـ نخلاً، ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له.
ـ هناك انطباع بأن الدول العربية الإسلامية تخشى الغطرسة الأميركية فتفضل الصمت على ظلمها، ألا ترى ذلك؟
الدول العربية والإسلامية لا تخاف لا من أميركا ولا من غير أميركا، الدول العربية والإسلامية تقول ما تعتقده حقا وهو أن العدوان على الشعب العراقي مرفوض مرفوض، ولكن ماذا إذا كان النظام العراقي يخالف قرارات مجلس الأمن.
* وهل استطاعت إسرائيل أن تقتنع الجميع بأنها خارج نطاق المحاسبة الدولية؟
ـ ومن قال إن إسرائيل لا تحاسب ولا تعاقب، إسرائيل ليست استثناء ولا ينبغي أن تكون كذلك، ما يصدق على الآخرين يجب أن يصدق عليها، لم يقل أحد بأن إسرائيل عندما تعتدي على أحد أو تخالف قرارات مجلس الأمن أن تترك دون عقاب، يجب أن تأخذ على رأسها.
* إسرائيل تعتدي على الفلسطينيين يوميا دون أن يتحرك أحد؟
ـ الفلسطينيون لم يسكتوا فهم يدافعون عن أنفسهم، ويجب على كل دولة أن تدافع عن نفسها.
أميركا تدعم إسرائيل بكل أنواع السلاح ومن خلال التعاون الاستراتيجي بينهما؟ على أي حال الويل للضعيف في زمننا هذا.. ويجب على كل دولة أن تكون قوية وتدافع عن نفسها إلى آخر نفس فيها.
غطرسة أميركية
* لا يمكن لإنسان أن يقر سياسة أميركا التي تخول لنفسها الحق في توجيه ضربة عسكرية لدولة من الدول دون تفويض من الأمم المتحدة؟
ـ لا يمكن لإنسان أن يقر لأميركا بأمر كهذا، أنا معك في ذلك.. وأقول بأننا نرفض أي عدوان على الشعب العراقي سواء من أميركا أو بريطانيا أو غيرهما، ونرفض أيضا كل من يؤيد هذا العدوان.
* أي أننا نرفض البلطجة الأميركية التي تتحرك بمفردها بعيدا عن الشرعية الدولية؟
وهل امتدح أحد العدوان أو أقره؟
ـ أنه أمر بغيض مرفوض.
* وماذا عن احتلال العراق؟ الاحتلال منهي عنه شرعاً وعقلاً وديناً وقانوناً، يجب أن يرفع المحتل يده عن العراق لكي يحصل الشعب العراقي على حقه في الحياة الكريمة، وأن يحظى بحريته وكرامته وكل ما يزيد في الخير والرخاء له، إن الإضرار بالشعوب وتجويعها بالحصار وفرض العقوبات أمر منهي عنه شرعاً ومروءة ودينا، فما بالك إذا شاب الحصار العدوان والاستغلال والتعصب الأعمى، فهو باطل شرعاً ويجب أن يقاوم وأن يحارب بكل وسيلة، يجب على المسلمين قاطبة الدفاع عن هذا المحاصر مادام الحصار بات ظلماً وعدواناً.
غزو باطل
*ماذا بالنسبة للأسرى الكويتيين؟
والله مبلغ علمي أن دولة الكويت أميراً وحكومة وشعباً تسعى جاهدة من أجل معرفة مصير هؤلاء الأسرى الكويتيين الذين أسروا في حرب الخليج، وأن دولة الكويت أميراً وحكومة وشعباً تطلب بأن يعود هؤلاء الأسرى إلى ديارهم معززين مكرمين، ونحن من جانبنا نؤيد دولة الكويت في مطالبها ونرجو أن يعود الأسرى إلى ديارهم آمنين سالمين مكرمين.
فقد فوجئ العالم كله في الثاني من شهر أغسطس سنة 1990 باجتياح دولة مسلمة صغيرة هي الكويت، وترتب على هذا الاجتياح ما ترتب من ازهاق للأرواح وعدوان على الأموال وتشريد للرجال والنساء والأطفال، ووقعت فتن كقطع الليل المظلم، مزقت المسلمين وأصابتهم ـ كما أصابت غيرهم معهم ـ بالاضطراب الشديد والفزع العظيم والأضرار المادية الجسيمة.
ومن أهم الحقائق التي تؤكد أن هذا الغزو باطل: أن شريعة الإسلام قد أقامت العلاقات بين أفراد المجتمع الإنساني كله على التعارف والتعاون والعدل والتراحم وتبادل المنافع التي أحلها الله تعالى وتقوية الروابط الخيرة الفاضلة التي تسعد بها الإنسانية وتتقدم وترقى.
قال تعالى:
«يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» سورة الحجرات الآية 13، أي خقلناكم بقدرتنا من أب واحد وأم واحدة وجعلنا منكم الشعوب ذات الأعداد الكثيرة والقبائل التي تمثل جزءا من تلك الشعوب ليعرف بعضكم بعضا معرفة قائمة على التعاون وعلى البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.
وعلى رأس المبادئ التي عمقت شريعة الإسلام جذورها في اتباعها لكي يعيشوا عيشة طيبة نشر السلام والأمان والاطمئنان حيث يقول الله تعالى «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين» سورة البقرة الآية 208.
وتارة ينهاهم عن قتال من أظهر لهم الانقياد لدعوتهم وأجرى كلمة السلام على لسانه، قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً» سورة النساء الآية 94 أي:
يا من آمنتم بالله تعالى إيمانا حقاً إذا خرجتم من بيوتكم وسرتم في الأرض من أجل إعلاء كلمة الله فاحذروا أن تضعوا سيوفكم في غير موضعها، فإن الأصل في الدماء الحرمة والصيانة، واحذروا أن تقولوا لمن أظهر الانقياد لدعوتكم، أو حياكم بتحية الإسلام: لست مؤمناً بل الواجب عليكم أن تقبلوا منه ما أظهره، فإن علم السرائر والبواطن إنما هو لله تعالى وحده.
وتارة يحببهم في قبول السلام والصلح ممن رغب فيه، وكانت الشواهد تدل على صدقه، قال تعالى: «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله أنه هو السميع العليم» سورة الأنفال الآية 61.
رأس النعم
* وما هو موقف الإسلام من قضية السلام العالمي ومكافحة الإرهاب؟
عندما نتدبر القرآن الكريم نجد كثيراً من آياته تقرر أن السلام في حياة المؤمنين يجب أن يكون على رأس المبادئ السامية التي يتعين عليهم أن يجعلوها جزءا من كيانهم، وأن يعمقوها في نفوسهم وأن يحيوا لها وبها، كما نجد أيضا أن نور السلام يشع في كل تشريع من تشريعات السلام، وكيف لا يكون الأمر كذلك ولفظ الإسلام، ولفظ السلام ينبعان من مشكاة واحدة تدل على الطمأنينة والأمان والسكينة والوئام والانقياد لله الواحد القهار.
ولقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان كثيراً ما يدعو الله بقوله: «اللهم أنت السلام ومنك السلام أي: ومنك ترجى السلامة» تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
إن نعمة الشعور بالسلام والاطمئنان على رأس النعم التي منها: دعوة إبراهيم عليه السلام لمكة المكرمة بقوله تعالى: كما حكى القرآن عنه: «رب اجعل هذا البلد آمنا» سورة إبراهيم الآية 35. وفي آية أخرى: «رب اجعل هذا بلداً آمناً» سورة البقرة الآية 126.
ومنها: بيان أن هذه النعمة قد ميز الله تعالى بها بيته الحرام على غيره، كما ميز بها الأماكن التي من حوله على غيرها.
قال تعالى: «إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً» سورة آل عمران الآيتان 96، 97. وقال سبحانه: «أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم» العنكبوت: 67.
القاهرة: وكالة الصحافة العربية
