كان بروفسور أوليج جرابار، أستاذ العمارة الإسلامية في عدد من أبرز الجامعات العالمية، هو الذي توقع أن تكون المساجد التي ستسود الساحة المعمارية الإسلامية هي مساجد الأحياء الصغيرة.

وعلى الرغم من أن الكثيرين وقتها تحفظوا حيال هذا التوقع، إلا أن هذا هو ما حدث بالفعل، على امتداد مناطق شاسعة من العالم الإسلامي، حيث تشاد مساجد الأحياء الصغيرة في المدن والمساجد الأقرب إلى الزاويا والمصليات الصغيرة في القرى والبوادي. ويبدو واضحاً أن مسجد الغد هو نواة معمارية ترفض الذهب والأرجوان.وعلى الجانب المقابل من بندول العمارة الإسلامية يبرز مسجد الدولة، ولكن هنا يكاد يكون من المستحيل الوصول إلى أي تقرير يعكس حداً أدنى من الدقة، فيما يتعلق بمستقبل عمارة هذا النوع من المساجد، وذلك نظراً لغياب المعلومات الدقيقة التي تشكل أرضية صالحة للتوقعات.

وعلى الرغم من ذلك، فقد ذهب فريق من الباحثين إلى توقع أن تبرز مساجد الدولة المستقبلية ليس تحت آفاق عالمنا العربي، وإنما في جمهوريات آسيا الوسطى التي كانت في السابق جزءاً من الاتحاد السوفييتي، وبدأت تنعم مؤخراً بثمار ثروتها النفطية الهائلة. وهكذا فإن هؤلاء الباحثين رأوا في مسجد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في أبوظبي الاستثناء الفريد الذي يؤكد هذه القاعدة. وبغض النظر عما سيأتي به المستقبل ليحسم هذا الجدل بين الباحثين، فإن الحقيقة المؤكدة هي أن مسجد زايد الجامع الكبير في أبوظبي، الذي يتوقع افتتاحه في رمضان المقبل، أي بعد عام كامل من الآن، هو استثناء فريد من كل القواعد وبكل المعايير.

مسجد الدولة، بالمعنى العلمي، هو أحد تلك المساجد الصرحية العملاقة، الصريحة في إحالاتها الإسلامية، وإشاراتها الحداثية المعمارية، والتي غالباً ما تتسع لأعداد تتراوح بين خمسة آلاف مصل وخمسة وعشرين ألف مصل في بيت الصلاة وحده، إضافة إلى أضعاف هذا العدد في الفضاءات الأخرى المدرجة في صميم النسق التصميمي للمسجد، وتنفصل عن النسيج الحضري، ليتكامل لها استحضار مغزاها الرمزي.

بهذا المعنى فإن مسجد زايد الكبير ليس مسجداً للدولة فحسب، وإنما هو درة العمارة الإسلامية الحديثة بامتياز على امتداد العالم كله.

هذا المسجد الجامع هو أكبر مسجد في العالم، بعد الحرمين الشريفين، فتصميمه يجعله معداً لاستيعاب سبعة آلاف مصل، بالإضافة إلى ما يتراوح بين خمسة عشر ألف مصل إلى ثمانية عشر ألف مصل في الصحن والمساحات الإضافية المسقوفة والمزروعة.

إننا هنا أمام موقع مساحته الإجمالية تتجاوز 55 ألف متر مربع، شيد الجامع على 43 ألف متر منها، وهو يشق طريقه بقوة واقتدار نحو الاكتمال بتكلفة إجمالية تجاوزت بالفعل ملياري درهم، ربما يضاف إليها ربع مليار درهم مع الوصول إلى مرحلة الافتتاح.

ولكن قبل التطرق إلى التفاصيل المتعلقة بالإنشاء وملامح المشروع الزخرفي لهذا العمل المعماري الفريد، فإن من المهم أن نتوقف لنتساءل عن الملامح الأساسية التي ميزت الرؤية الكلية التي انطلق تصميم هذا الجامع الفريد منها والتي جعلته موضع اهتمام دوائر العمارة العالمية على اختلاف توجهاتها. دعنا نلاحظ بداية أن جامع الدولة ليس عملاً صرحياً في كيانه المادي فحسب، وإنما هو صرحي في دلالاته الرمزية أيضاً.

من هنا على وجه الدقة، فإن مسجد زايد الجامع الكبير، هو تأكيد على الهوية الإسلامية، وإعلان لها، وإعلاء لشأنها، وهو من ناحية أخرى تشديد على الالتزام بالقيم الإسلامية منهجاً للحياة وأسلوباً للوجود. وهذا المسجد الجامع يعالج معمارياً، شأن مساجد الدول كافة كصرح معماري خارج النسيج الحضري، فهو معلم بارز، هو رمز، هو مشهد حضري يستقطب كل من يستشرفه، بغض النظر عن الاتجاه الذي يسلكه وصولاً إليه.