صفاء القلب من الأحقاد والإحن والضغائن والكراهية والأثرة والغش والحسد وسائر الأمراض الباطنة فضيلةٌ حثّ عليها الإسلام، ويسعد مَن يتصف بها ويسعد بها مَن حوله من الناس ومَن يعاشرهم ومَن يرافقهم ومَن يعمل معهم لأنها تضفي على الحياة كلها سعادة غامرة وطمأنينة وأمناً، هذا في الدنيا أما في الآخرة فالجزاء جنةُ الرحمن ففي الحديث «حقّت جنتي للذين يتصافون من أجلي»، وبهذا الصفاء ينير القلب ففي رسالة المسترشدين يقول المحاسبي :

«ما رأيت أنفى للوسواس من ترك الفضول، ولا أنور للقلب من سلامة الصدر» تلك التي تبلّغ صاحبها الجنة فقد روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:

«كنا جلوساً مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال:«يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» ولنتخيل جميعاً شوق الصحابة لمعرفة من سيكون الرجل، يقول أنس ـ راوي الحديث ـ فطلع رجل من الأنصار تَنْظُف لحيته (تقطر) من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان من الغد قال النبي مثل ذلك (أي مثل قولته السابقة) فطلع ذلك الرجل على مثل المرة الأولى.

فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبدالله بن عمرو بن العاص (تبع الرجل) فقال له إني لاحيتُ (خاصمت) أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي (الليالي الثلاث) فعلتَ قال:نعم، قال أنس :

«فكان عبدالله يُحدّث أنه باتَ معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعارّ(استيقظ) وتقلّب في فراشه ذكر الله وكبّر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبدالله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت (الليالي الثلاث) وكدتُ أحتقر عمله (لأنه لم يره يفعل أكثر مما يفعلون، بل منهم من يفوقه في الصيام والقيام و تلاوة القرآن و..) قلت:

يا عبدالله لم يكن بيني وبين أبي غضبٌ ولا هجرٌ ولكن سمعت رسول الله يقول لك (أي فيك) ثلاث مرات «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلعت أنت الثلاث مرات فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي بك فلم أرك تعمل كثيرَ عملٍ فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال:ما هو إلا ما رأيت، فلما ولّيتُ دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحدٍ من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خيرٍ أعطاه الله إياه.

فقال عبد الله بن عمرو: هذه التي بَلَغَتْ بك وهي التي لا نطيق» فهذا الرجل نقّيَ قلبه من آفات الحقد والحسد والغش فسلمت سريرته وأصبح سليم الصدر ناصع الصفحة راضياً عن ربه قانعاً بما أتاه الله من فضله محباً المسلمين فصار ممن يترجمون قوله تعالى «والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلّاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم».

سلوكاً عملياً وواقعاً معيشاً، فأحب الخير للغير عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم :«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وسلامة الصدور من الحسد والبغضاء والأحقاد والشحناء أدنى مراتب هذا الحب الذي لا يكتمل الإيمان إلا به.

إن الإسلام يحرص كل الحرص على أن تسود المحبة والأخوة بين الناس جميعاً، وإن تفاوتوا في المال والمكانة والعلم فلا يتسرب الحقد والحسد إلى قلوبهم لأن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء «والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق». إن البغضاء والشحناء والأحقاد تمنح الشيطان القدرة على إشاعة سوء الظن والتجسس، وسقطات اللسان من غيبة ونميمة، وقول الزور، والسبّ واللعن، وربما إلى التقاتل لذا حثّ الله على إصلاح ذات البين حيث قال تعالى

:«فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين»، وجعلها الله عقاباً لمن ضلّ عن سواء الصراط فقال تعالى :«ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة..» وقد أوضح النبي سوء عاقبة التباغض والتشاحن المتمثلة في الحرمان من مغفرة الله عز وجل فقال :

«ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً: رجل أمّ قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان» أي متقاطعان.

وفي حديث أبي ثعلبة «إذا كانت ليلة النصف من شعبان اطّلع الله إلى جميع خلقه فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه»، أي يحرم أهل الضغائن المغفرة في تلك الليلة كما يقف الحقد سداً منيعاً وحائلاً مرتفعاً دون مغفرة الله له كل يوم اثنين وخميس ففيما رواه مسلم عن أبي هريرة أنه :

«تُفتح أبواب الجنة يوم الخميس ويوم الاثنين فيُغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلاً بينه وبين أخيه شحناء، يُقال أنظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا» فتخيّل كَمْ مرّ عليك يوما الاثنين والخميس وأنت على مشاحنة مع أخيك أو جارك فضيعت منحة ربك. بل إن الوبال يعم ولا يخص، ألم يخرج نبينا صلوات الله وسلامه عليه ذات يوم بخبر ليلة القدر، فتلاحى رجلان فرفع خبرها ونبأها؟

رفعت تلك البركة عن الأمة إلى قيام الساعة بسبب ملاحاة رجلين وخصومة اثنين. فما أحوجنا ـ نحن المسلمين ـ إلى سلامة الصدر ولمّ الشمل ورأب الصدع على المستويات كافة أفراد ومؤسسات ودول لننهض من كبوتنا وتصبح لأمتنا الصدارة كما كانت.