أشرنا إلى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف أوردت وصية الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه لجيوشه المتجهة إلى الشام بقيادة أسامة بن زيد رضي الله عنه في نشرة أصدرتها وجعلت عنوانها:
«من ذاكرة التاريخ العربي الإسلامي» (انظر مقال الأمس) ونتواصل مع هذه النشرة التي أثبتت بعض النصوص التراثية الإسلامية، وأثبتت إلى جانبها ما يتفق معها من مواد القانون الدولي الإنساني المعاصر ونصوصه .
وهو الذي يعتمد ـ كمصدر له ـ على اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وعلى البروتوكولين الملحقين الصادرين عام 1977 وعلى مبادئ القانون الدولي كما استقر بها العرف ومبادئ الإنسانية (مصدرنا في ذلك كتاب: الإسلام والتفاهم والتعايش بين الشعوب لهاني المبارك والدكتور شوقي أبو خليل).
وأوردت نشرة الصليب الأحمر في مقدمتها بعض أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء الجند ووصاياه لهم، وأضافت بأن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل يأتي الفقه الإسلامي مفرعاً على هذه الأحكام فروعاً، منها ما ذهب إليه الإمامان مالك والأوزاعي من أنه «لا يجوز بحال من الأحوال قتل النساء والصبيان من الأعداء، ولو تترس بهم أهل الحرب (بمعنى أن يجعلوا منهم دروعاً بشرية).
وتضيف نشرة الصليب الأحمر الدولي بأن القيم والمبادئ الإنسانية مستقرة في الفقه الإسلامي الذي أرسى قواعد المعاملة الإنسانية للعدو الذي لا يستطيع قتالاً وميز بين المقاتلين وغير المقاتلين وضمن حصانة المبعوثين والرسل ومنع الخيانة في الحرب، ثم أوردت النشرة أمثلة من التاريخ العربي الإسلامي توضح وتؤكد على كل حالة من هذه الحالات.
فبربكم أين هذا مما حدث أمامنا من جرائم حرب من العدو في البوسنة والهرسك مما يندى له جبين الإنسانية خجلاً ويستحي التاريخ من سرده، وحدث عما جرى سابقاً في دير ياسين ومدرسة بحر البقر وصبرا وشاتيلاً وقانا واجتياح العراق واجتياح لبنان وما ارتكبوه في غزة وفي كل المدن الفلسطينية والقائمة طويلة.. طويلة .
فيما حدث ويحدث الآن وإذا كان ما أشارت إليه النشرة التي أصدرتها الجمعية الدولية للصليب من مواقف تعاليم الإسلام من الأعداء وفي حالة الحروب، فما بالنا بمواقف الإسلام بإزاء الشعوب الصديقة ومع ذوي التحالفات والمعاهدات.
وإذا قيل وبضدها تتميز الأشياء ـ كما يقول الأستاذ هاني المبارك ـ نقارن هذه التعاليم والوصايا والمواقف السلوكية بمواقف الآخرين وننظر فيما حدث للهنود الحمر في أميركا ماذا حل بأجدادهم على أيدي غزاة العالم الجديد ممن يدعون أنهم حملة الحضارة الأوروبية.
جاء في كتاب جارودي المفكر الفرنسي المعروف الذي اعتنق الإسلام المسمى «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» ـ وبالمناسبة فقد حوكم مؤلف الكتاب لجرأته على سرد هذه الحقائق المشينة التي أغضبت اليهود جاء في الكتاب المذكور أن «60 مليوناً أبيدوا من أصل 80 مليوناً بالعمل الإجباري (السخرة) والأوبئة والأسلحة.
أما الأفارقة فنسأل الأحفاد عما جرى للأجداد يقول رجاء جارودين في كتابه السالف الذكر «إن مياه الأطلسي طوت لججها من جثث أولئك الذين قضوا نحبهم مكبلين بالحديد وتحت سياط التعذيب أثناء نقل قوافلهم المسروقة والمحظوظة إلى العالم الجديد لاسترقاقهم وتسخيرهم في الأعمال الشاقة للسادة بأعنف مما يقوم به المحكوم عليهم بالسجن والأشغال الشاقة. وقد أورد جارودين أن أعداد هؤلاء تتراوح ما بين 100 مليون إلى 200 مليون أن القائمة طويلة والسرد فيها يطول.
العهدة العمرية
وللتسامح في الإسلام ومنح الآخر حقوقه العامة نورد المعاهدة التي أبرمها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل إيلياء (وهو اسم مدينة القدس قديماً ومعناه بيت الله) وتسمى هذه المعاهدة بـ «العهدة العمرية» قال الفاروق رضي الله عنه: «هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان:
أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم».
ورب سائل يسأل: ولكن المسلمين يأخذون من الذميين الجزية في البلاد التي يدخلها الإسلام وتكون أكثرية السكان فيها من المسلمين، والإجابة على ذلك ليست تلك الجزية لوناً من ألوان العقاب كلا، ولكنها بالطبع نظير ما يوفر للذمي من خدمات ضرورية وحمايته وكفالة الأمن والأمان له ومنحه حق الحرية في العيش بالكيفية التي يريدها ما لم يتجاوز حرية الآخرين وعدم إكراهه على الخروج عن معتقده. قال عمر بن الخطاب لأبي عبيدة رضي الله عنهما «فإذا أخذت منهم الجزية فلا شيء لك عليهم ولا سبيل».
لا.. والأكثر من ذلك إذا أسن الذمي وأصبح عاجزاً عن كسب عيشه فلا تتركه الدولة الإسلامية هملاً، بل تقدم له ما يكفل له العيش الكريم أي تفرض له معاشاً للتقاعد أسوة بالمتقاعد المسلم، وهذا يؤكده ما يروى من أن عمر بن الخطاب كان ماراً ذات يوم فوجد عجوزاً يهودياً يتسول في طرقات المدينة وعندما أخبروه شأنه غضب وقال بما معناه «أخذنا منه في قوته واستطاعته أفنتركه في عجزه» وأمر له بمعاش من بيت المال.
وبعد...
هذا اجمال من خلال هذه الحلقات الثلاث لحقوق الإنسان في الإسلام سلماً وحرباً، ولنا عود على بدء في مقالات نتناول فيها تفاصيل هذه الحقوق المكفولة لمختلف الفئات، حق الحياة وحقوق الحرية والمساواة والعدل والتكافل الاجتماعي وحقوق الأسرة، الزوج والزوجة والأولاد، وما إلى ذلك من الصور الجمالية التي تؤكد على حضارة الإسلام الحقة لا هذه الحضارات المادية المزيفة والتي تدحض افتراءات الأعداء المشوهين لها.