إذا أراد المرء أن يؤرخ للتحول في علاقات العالم الإسلامي والغرب على النحو الذي وصل بنا إلى الصورة التي نحن عليها الآن، فإنه لن يجد أفضل من عقد السبعينات من القرن العشرين ليعتبره البداية الحقيقية للشكل الحاد من التوتر الذي يتخذ خطا متصاعدا يعزز من الرؤى التي يروجها الكثيرون خاصة في الغرب بشأن ما أطلق عليه صدام الحضارات.
إن هذا العقد يعد بحق العقد الذي تمت خلاله بلورة ما يمكن تسميته بإعادة إنتاج الصورة السلبية للإسلام في الغرب.. وتزايدت خلاله مساحة الإدراك السلبي على الصعيد الأميركي بشكل خاص للإسلام.
فقد سادت نظرات يسودها الارتياب في دوائر عديدة في الغرب سواء على مستوى مؤسسات صنع القرار أو المؤسسات الأكاديمية إلى حركات الإحياء الإسلامي التي عمت مختلف أرجاء العالم الإسلامي رغم أن هذه الحركات لم تمتد تأثيراتها خارج نطاق الدول التي ظهرت فيها .
ولم يتجاوز بعضها أداء الشعائر الدينية، غير انه كان مع ذلك هناك مؤشرات عديدة على رصد الغرب لهذه الظواهر واتخاذ موقف الحذر منها الأمر الذي تعزز من خلال مجموعة من التطورات خلال هذا العقد.
فقد اتخذ الغرب من الطابع الحركي الذي اتسمت به حركات الإحياء الإسلامي مجالا للإشارة إلى ما يمكن أن تفرزه هذه الحركات من تأثيرات سلبية تطورت فيما بعد حتى اتخذت صورة الخطر الإسلامي! وبلغ الأمر ذروته مع قيام الثورة الإيرانية.
وحسبما يشير الكاتب البريطاني فريد هاليداي في كتابه «الإسلام وخرافة المواجهة» فإنه منذ أواخر السبعينات وبشكل أخص منذ الثورة الإيرانية في 1978 و1979 أصبحت قضية الإسلام وتحديه المفترض للغرب شاغلا دوليا مستمرا وهو شاغل اختار إبرازه ساسة في الدول الأوروبية فضلاً عن عدد من القادة الإسلاميين حسبما يذكر.
أما المفكر العربي الراحل إدوارد سعيد فيشير في معرض رؤيته لهذا الجانب والذي استحوذ على جانب كبير من كتابه «تغطية الإسلام» وركز فيه على رؤية الإسلام في الذهنية الغربية فيما بعد ثورة الخميني، فيشير إلى أنه حين بدأت أسعار النفط في الزيادة في بداية حقبة السبعينات بدا للغرب آنذاك وكأن الإسلام يستعيد انتصاراته ومرة جديدة أخذ الغرب يرتعد خوفا مفسرا ذلك بقرب عالم الإسلام من أوروبا فالإسلام حسبما يشير، قريب جدا وعلى تماس مباشر معها على العكس من بقية الأديان.
وهذا الجوار، وفق رؤية سعيد، أثار ذكريات الاعتداء والاحتلال والحروب الإسلامية ضد أوروبا كما انه أعاد إلى الذاكرة مرة بعد أخرى قوة الإسلام الكامنة المؤهلة لإرباك الغرب وإزعاجه المرة تلو المرة.
لقد عززت تطورات هذا العقد الاستعداد لدى الغرب لرؤية الإسلام على أنه العدو، وهو التناول الذي يلقى التأييد من قبل العديد من الدوائر هناك سواء الأكاديمية أم السياسية. وجاءت العديد من الأحداث بعد ذلك لتصب مزيدا من الزيت على هذا الإدراك ممثلة في اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات على يد جماعات تعلن انتماءها إلى الإسلام. واعتبر ذلك بمثابة مؤشر على تحول حركات الإحياء الإسلامي إلى نهج أكثر راديكالية يتبنى خطاب العنف.
وإزاء دوي الحدث في ضوء الصورة التي استطاع الرئيس السادات بناءها لنفسه في الغرب نظرا لإقدامه على السلام مع إسرائيل - بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف بشأن هذا التطور- بدأت الآلة الإعلامية عملها في تصوير الإسلام الصاعد ممثلا في هذه الحركات على أنه الخطر الذي ينبغي الحذر منه.
وهى صورة مغلوطة، لا تعكس سوى جانب واحد من القضية، فضلا عن أنه يتم تقديم هذا الجانب بشكل مشوه الأمر الذي استنفر جهات عديدة ليس على صعيد عالم الإسلام والمسلمين فحسب، وإنما على صعيد الغرب ذاته فانبرى بعضهم في دحض زيف هذه الصورة وذلك بعد آخر في القضية.
مصطفى عبد الرازق
