قال عنه الشيخ رزق حبة «الخشوع هو عصب تلاوته وسر تأثيره على القلوب»، أما القارئ أحمد نعينع فذكر أن «صوته غير قابل للمقارنة، إذا قرأ استحضر الملائكة في مجلس قراءته لقمة أدائه القرآني السليم.

وأكد الشيخ أبوالعينين شعيشع أنه «لم يأت قبله أو بعده من يرتل ترتيله لإيمانه بالله وخشوعه».. قال عنه علماء الموسيقى ان حنجرته جمعت كل ميراث الحنجرة العربية من الأنغام والأوتار الصوتية الخلاقة، إنه رئيس دولة التلاوة وسيد القراء للقرآن الكريم قيثارة السماء الشيخ «محمد رفعت» صاحب العبقرية الفريدة التي لم يجد الزمان بمثلها.

حيث ينقلك صوته إلى عالم الملائكة ويقود دفة سفينة تبحر في عالم الورع والخشوع، فلا يكون أمامك سوى أن تفتح قلبك وتطهر روحك وتتوق شوقا في ذات الله سبحانه وتعالى وتسأله الرحمة والمغفرة.

استطاع الشيخ «محمد رفعت» أن يجسّد معاني القرآن الكريم بصوته كما لم يجسدها أحد من قبله أو بعده في العصر الحديث، وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على رحيل القارئ المعجزة إلا أنه لم يظهر حتى الآن من يرتل كتاب الله ويتلوه بمثل أسلوب الشيخ «رفعت»، فلم يكن تفرده في قوة الصوت وطلاوته فحسب وإنما تفرده في خشوع فاض على ملايين المستمعين في أرجاء العالم الإسلامي.

ولم يكن صوت الشيخ «محمد رفعت» فقط هو الذي يدفعك إلى حالة الزهو بل إن حياته تحمل الكثير من التوغل في هذا العالم فلقد ولد الشيخ «محمد محمود رفعت» في التاسع عشر من مايو 1882 في حي المغربلين بالقاهرة طفلا جميلا يتميز وجهه بعينين خضراوين واسعتين.

ولكن إرادة الله شاءت أن يصيبهما الرمد ويفقد البصر في الثالثة من عمره ويعتصر الألم قلب والده الذي وجد الملاذ في ارساله إلى كتّاب الحي، حتى يحفظ القرآن فيقوي إيمانه ويستجيب لقدر الله ويخطو الطفل «محمد رفعت» أولى خطواته من رحلته مع القرآن في كتاب «بشتك» أمام مسجد «فاضل باشا بدرب الجماميز، وتتلمذ على يد الشيخ «محمد حميدة» .

وما إن بلغ شيخنا التاسعة من عمره، حني نال ثاني المصائب في حياته بوفاة والده وهنا وجد الشيخ الصغير الذي أتم حفظ القرآن نفسه مطالبا بإعالة أسرته المكونة من أمه وشقيقه الأصغر وخالته، وفعلاً تم تعيينه قارئا للقرآن الكريم بمسجد «مصطفي فاضل باشا» وكان عمره وقتها 15 عاما ولقد شهد هذا المسجد حياة الشيخ «محمد رفعت» حتى وفاته.

ورغم الاتفاق على أن الشيخ «رفعت» أحد أعظم من قرأ القرآن بصوته وهو ما منحه لقب خادم القرآن الكريم إلا إن الأجيال التي أعقبته حرمت من الاستماع لصوته الفذ الذي ظهر قبل أن تلحق مصر بوسائل التكنولوجيا الحديثة في التسجيل.

إضافة إلى إهمال الإذاعة التي بدأت إرسالها في مايو 1934 وعاصرها الشيخ حتى رحيله في مايو 1950 فلم يتم الاحتفاظ بتسجيل لتلاوته وما نراه الآن من القليل من تسجيلات شيخنا يرجع إلى فضل عشاقه ومحبيه منهم «زكريا باشا مهران» و«محمد خميس» اللذان قاما بجمع تسجيلات الشيخ وإعادة تقديمها للإذاعة في منتصف الستينات من القرن الماضي رغم ما عانياه من صعوبة المهمة .

حيث كانت التسجيلات على اسطوانات شمع بدائية ومن تسجيلاته النادرة ما تيسر من سورة الكهف والتي قام بتلاوتها في صلاة الجمعة بمسجد «فاضل باشا» عام 1938 وكذلك قراءته لما تيسر من سورة «هود» عند رحيل الملك «فؤاد عام 1936.

الشيخ الزاهد

ويشهد جميع من عاصرّوا الشيخ بما كانت عليه حياته من تقى وزهد ورغم حاجته للمال بعد وفاة والده إلا أن المال كان آخر ما يفكر فيه، ولقد ظل الشيخ يقرأ القرآن في جامع «فاضل باشا» بين عامي(1942-1918) والطريف أن معجزة عصره الذي يتربع على عرش التلاوة وبلا منافس كان يتقاضى 3 جنيهات فقط في تلاوة ساعة كاملة وعندما أصيب بداء الزغطة واحتبس صوته وتوقف عن التلاوة دعا الكاتب الصحافي «أحمد الصاوي» وقتها إلى اكتتاب شعبي لعلاج الشيخ «رفعت» .

وانهالت التبرعات من مختلف أنحاء العالم الإسلامي حتى بلغت 50 ألف جنيه وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت حيث يقدر بالملايين الآن، ورغم ذلك فلقد اعتذر الشيخ «محمد رفعت» عن قبول التبرع امتثالا لقضاء الله حتى فاضت روحه إلى بارئها بعد ذلك بثماني سنوات.

عصب التلاوة اتفق الكثيرون على سمو منزلة شيخنا الجليل الذي تعددت ألقابه، حيث قال عنه الشيخ «رزق حبة» شيخ عموم المقارئ المصرية: أن الخشوع هو عصب تلاوة الشيخ «محمد رفعت» وسر تأثيره على القلوب، حيث كان يقرأ القرآن لله وقلبه مفعم بالتقوى والإيمان.

وقال عنه الشيخ «أحمد الرزيقي» انه يمتاز بالأداء الموسيقى المعجر وإعطاء كل حرف في القرآن الكريم حقه وصوته غير قابل للتكرار فهو السهل الممتنع. أما القارئ «أحمد نعينع» فقال:

إن صوته غير قابل للمقارنة فكان إذا قرأ استحضر الملائكة في مجلس قراءته، لقمة أدائه القرآني السليم ولاشك أن القليل من تسجيلاته المتوافرة الآن رغم روعتها إلا أنها تقل كثيرا عما كان يسمعه الناس من تلاوته المباشرة لهم، وقال الشاعر «فاروق جويدة» إنه قارئ لا يتكرر فهو صاحب صوت جميل مميز، ويكاد يكون الوحيد الذي لا تخطئه الأذن ويلازم قراءته للقرآن صدق في الإحساس يعكس إحساسه بكل حرف وآية يقرأها.

أما الشيخ «أبو العينين شعيشع» نقيب القراء فقال: لم يأت قبله أو بعده من يرتل ترتيله لإيمانه بالله وخشوعه وإحساسه ويواصل أقرب تلاميذه الحديث بأن صوت أستاذه يتكون من عروق الجواهر النفيسة وأخيرا قال عنه الإذاعي «ضياء الدين بيبرس»:

كان يعيد اكتشاف الإسلام، ويفتح الباب لقلب غير المسلمين والذين لا يعرفون اللغة العربية لما يملكه صوته من بحة ذات شجن تجعل تلاوته تنفذ إلى القلوب لأن مصدرها قلبه وليس حنجرته..

وفي النهاية لا يسعنا إلا أن نسأل الله المغفرة لشيخنا الجليل لما قدمه لأمة الإسلام في شتى بقاع الدنيا التي سمعت منه آيات الله البينات بصوت مغلف بخشية ورهبة وتقديس لكلام الله تعالى.

القاهرة ـ خالد محمد غازي