يقول الله تعالى: «واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرًا» (الكهف:45)، و«المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملاً» (الكهف: 46).

الآية الأولى: مثل يضربه القرآن ليوضح به حقيقة الحياة، ويعرضه في صورة موجزة توحي بقصر الحياة وقصر الأجل فيها، وفي صورة مألوفة مشاهدة، حتى تقترب حقيقة الحياة من النفوس، والآية الثانية: من تمام المثل، حتى يوقن الإنسان بأنه لن يأخذ من دنياه إلا العمل الصالح، فماذا فعل الغرور للمغترين بالحياة؟

لقد ظنوا أن الحياة كل شيء، وإذا بالحياة كلها لا شيء، إنها سحابة صيف عن قريب تقشع. يقول الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي عن مثل الحياة الدنيا على ضوء آية الكهف: وحتى لا تغرنا الدنيا ونعتقد أنها دائمة.. طلب الله سبحانه وتعالى من رسوله أن يضرب للناس مثلاً عن الحياة الدنيا.. يقرب الصورة إلى نفوس الناس بشيء حسي يرونه، فقال سبحانه وتعالى:

«واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء{، أي أن الدنيا ليست ذاتية الخلق.. . أي لم تخلق نفسها.. أو لم توجد هي.. بل خلقها الله سبحانه.. تمامًا كما يخلق الزرع الذي تنبته. وعلل الشيخ ضرب المثل بالزرع، فبين أن كل واحد من الناس يشهد دورة الزرع تحدث أمامه في فترة قصيرة يشهد أولها وآخرها..

ومن هنا فإن المثل أمامه حي، يعرفه ويراه.. مرة أو عدة مرات كل عام، ثم تحدّث عن عوامل استمرارية الحياة على الأرض، وارتباط هذا بالماء الذي جاء من السماء واكتساب الأرض زينتها من مد السماء لها بقدرة الله، فيكبر الزرع وتأخذ الأرض زخرفها فينتج منه الثمار والورود ويصبح شكله بهيجًا يسر الناظرين، و بعد ذلك تأتي نهاية الحياة..

فيصبح هذا الزرع هشيمًا تذروه الرياح، أي أن جذور الحياة تنتهي.. وتصبح كأن لم تكن. ثم يخلص من هذا إلى أن الله صور الحياة الدنيا في حدث صغير يتسع له عمر كل فرد فينا، ورآه بصر كل فرد، فالحياة من بدايتها إلى نهايتها وهي غيب على الناس، قرَّبه الله في هذا المثل الصغير ممثلا في زرع كيف نبت ثم صار هشيمًا.

فكذلك الحياة كدورة الزرع مصيرها إلى فناء وزوال. وإذا كانت الدنيا من بدايتها إلى نهايتها تمثل زرعًا بدأ بداية بسيطة حبات في باطن الأرض ونزل عليه الماء، فخرجت نبتًا صغيرًا، ثم نما واشتد، ثم آل إلى الحصاد، مناظر متعاقبة متجددة لا تظل علي حالة واحدة.

وعندما تصل إلى نهايتها تتذكر بدايتها، وكأنها شريط قصير مر أمام الأعين، أهذا هو النبت الذي كان حبة مودعة في بطن الأرض ثم آل إلى الفناء والزوال؟ أهذه هي الحياة التي خدع بها الناس؟ لقد كان التصوير دقيقًا ومتجاوبًا مع الحس، ومنبهًا إلى عدم الاغترار بالدنيا. يقول الشيخ محمد المدني مقدمًا لهذه الآية: وأحسب أن من تمام المثل وبغية الناس في شأنه قوله تعالى:

«المال والبنون زينة الحياة الدنيا...{ إلى آخر الآية، ثم قال: وهذه الآية تحتوي علي حقيقتين يقررهما الله تعالى، ويلزمهما أمر يؤخذ من فهمهما ومعرفة المراد بهما.

فأما الحقيقة الأولى، فهي كون المال والبنون زينة الحياة الدنيا، ثم شرح المراد من المال والبنين، وكونهما زينة الحياة الدنيا، وأشار إلى أن هذه الحقيقة ذُكرت في آيات أخرى من القرآن، ومنها آية آل عمران: «زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا{ (آل عمران:14)، ثم قال:

فكلتا الآيتين تجعل ذلك شأنًا من شؤون الناس بحسب الفطرة التي فطروا عليها، وما رُكِّب فيهم من الشهوات وحب المتاع، والله سبحانه وتعالى لم يكلف عباده بالانفضاض عن هذه الزينة ورفضها وعدم التعلق بها، وإلا لكان هذا تكليفًا بما ينَافِي الفطرة ويخرج على الطبيعة.

ولكنه يحذر من الافتتان بها، وأن يجعلها الإنسان غاية أمله وأقصى حظه، وينْصرفُ عن تكميل نفسه بالمعنويات وتمتيع روحه بما وراء الماديات: «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق» (الأعراف:32).

ولذلك يقول في آية أخرى: «إنما أموالكم وأولادكم فتنة»(التغابن:15). وأما الحقيقة الثانية: فهي كون الباقيات الصالحات خيرًا عند الله من الزينة الفانية والمتاع الزائل، وهذا ما ختمت به الآية كما ختمت بمثله الآيات الأخرى.

ثم قال: «والباقيات الصالحات».. لفظ جامع كل معنى من معاني الخير والعمل الصالح، ثم ذكر عدة روايات في معنى «والباقيات الصالحات»، ورجح الرأي القائل بأنها اللفظ الجامع لمعاني الخير والعمل الصالح في علاقة الإنسان بربه ومع الناس في شؤون الدين والدنيا. «وكالة الصحافة العربية ».