أثارت ظاهرة الحروفيّة في التشكيل العربي المعاصر، نقاشاً وسجالاً متشعباً ومفتوحاً بين الفنانين التشكيليين والخطاطين، تحوّل في بعض جوانبه وحالاته، إلى نوع من السجال الحاد والمتناقض والصدامي، لما حمل من تطرف وتباين في وجهات النظر، فكل طرف يدعي أنه على صواب، والآخر على خطأ.

فالفنان التشكيلي الحروفي الذي قام بتوظيف معطيات الحرف العربي وقدراته التشكيليّة والتوليفيّة، في صوغ لوحة حروفيّة حديثة، ادعى أنه بهذا المنجز البصري الجديد، تمكن من إيجاد الأثر الفني المطلوب الذي ينتمي بقوة ووضوح، إلى موروث الأمة الحضاري. ويحتضن في الوقت نفسه، حداثة الانتماء إلى زمنه ووقته، وبكثير من التفرد والمحليّة، أي جمع ببراعة في منجزه البصري الجديد، الناتج الصحيح والسليم، لطرفي المعادلة ـ الهم: التراث والمعاصرة.الخطاط العربي الحديث، رأى أن ما حققه الفنان التشكيلي الحروفي، هو محض عمل تجريدي تشكيلي، ولا يمت بصلة إلى الخط العربي، لأنه لم يتبع فيه القواعد المعروفة لهذا الخط، ولا راعى قواعده ونظمه، إنما استفاد بشكل من الأشكال، من الجماليات التشكيلية للخط العربي، وقام بتوظيفها في منجزه البصري الحروفي.

ويرى الخطاط العربي الحديث، أن استخدامات الفنان التشكيلي هذه، غالباً ما تأتي زخرفيّة بحتة، ولأنها في غالبيتها غير صحيحة، وخارج نظم وقواعد وأصول وموازين الخط العربي، فإن ملامح الغربة طيف ملازم للخط العربي الحالي، انه على الرغم من المحاولات المتكررة لحماية هذا الخط، والمحافظة على قواعده ونظمه وجمالياته الأصيلة، وإبعاده عن براثن الغربة والتوهان والضياع والتشويه المتربصة به، نتيجة تجاهل الجميع لهذا الإرث المقدس.ولا مبالاتهم تجاه ما يتعرض له من تشوهات وتخريب، بدأت تطول بنيته وقواعده وأصوله، خاصة من قبل مصممي أنماط وطرز وأنواع، الخطوط العربية في أجهزة الحواسيب، وللأسف الشديد، فإن جميع هؤلاء المصممين من غير أهل هذا الخط.

ومن غير العارفين بقواعده ونظمه وموازينه الصحيحة، ما يجعله عرضة للتشوه والخطأ والتخريب، خاصة وأن هذه الأنماط المشوهة، تُعمم بكثرة، نتيجة لانتشار الحواسيب الهائل، في مرافق حياتنا المعاصرة كافة.

هذا الواقع البائس الذي يعاني منه الخط العربي، خاصة ذاك الذي تقدمه الحواسيب، وما يشتغل عليه الفنانون التشكيليون المعاصرون، دفع بالخطاطين للتأكيد صراحة، ودون مواربة، أنه لا يحق للتشكيليين تغيير شكل الحرف العربي، بالشكل الذي يقدمون عليه، ما يفقده معناه وذاته وبنيته الشكلية الصحيحة!!.

على هذا الأساس، يعتبر هؤلاء الخطاطين العرب والمسلمين الملمين بأصوله وقواعده ونظمه، أن استخدام التشكيليين للحرف العربي، في منجزهم البصري المعاصر، وبهذا الشكل الأعوج، يعتبر تدخلاً مشيناً بتخصصهم، مؤكدين أن الخط العربي لا يتطور، وإنما يُقلد، خاصة بوجود مقاييس ومعايير ونظم تحدد شكل وحجم الحرف، لا أحد يستطيع تجاوزها، و إلا فقد الخط صفته!!

ويثير الخطاطون إلى ما تقدم، مشكلة أخرى، تشعرهم بالتهميش والقلق وعدم الرضى، وهي تجاهل وسائل الإعلام المختلفة، لهم ولإنجازاتهم في مجال الخط العربي، وهي كثيرة ولافتة وتكتنز على قيم بصريّة جماليّة.

ورمزية دلالية عديدة ولافتة ومعبرّة، في حين يلقى الفنان التشكيلي الحروفي بخاصة، والفنان التشكيلي بعامة، كل الاهتمام والاحتفاء من قبل وسائل الإعلام، التي تقوم بتسليط الضوء عليه، وعلى منجزه البصري الحروفي غير الناضج، والمشوه، في معظم الأحيان، لبنية الحرف العربي وجمالياتها!!.

هذا العزوف عنهم، والاحتفاء بالتشكيلي الحروفي، يعزونه إلى عدم وعي القيمين على وسائل الإعلام، بأهمية الخط العربي، بينما الباحثون الجماليون، ووسائل الإعلام في الغرب، تولي الخط العربي جل اهتمامها وتقديرها، وتقوم برعايته، والمحافظة على جمالياته الحقيقية الأصلية، التي بدونها، يفقد أهميته وعظمته وتألقه.