«الإسلام ديانة في صعود» مقولة اتفق عليها العديد من الخبراء والمحللين في الشرق والغرب، وذلك من خلال القرائن والدلائل التي تظهرها أرقام الداخلية في هذه الديانة التي جاءت لتكون آخر الرسالات الربانية للعالم أجمع، فالأعداد الداخلة في ساحة الإسلام غرباً وشرقاً تنبيء بمستقبل واعد لهذه الديانة خلال الألفية الثالثة رغم التشويه المقصود الذي يضطلع به الإعلام الغربي المدعوم باللوبي الغربي اليهودي الساعي وراء إظهار الإسلام كدين يدعو إلى القتال والتخريب وعدم احترام حقوق الإنسان في مختلف مناحي الحياة العصرية.

في هذا المضمار يأتي كتاب «الإسلام في الألفية الثالثة: ديانة في صعود» لمؤلفه السفير الألماني السابق المسلم د. مراد هوفمان، ليحاول الإجابة عن عدة تساؤلات تسير في هذا الفلك، للوقوف على النتائج المرتقبة في حالة نجاح العالم الإسلامي في النهوض حضارياً من جديد، ومن أهم هذه التساؤلات، لماذا يكتسب الإسلام هذه القوة والجاذبية على الصعيد العالمي؟

وهل يمكن أن يصبح هذا الدين بالفعل ديناً يسود العالم؟ وهل من الممكن أن يصبح الإسلام في هذه الحالة علاجاً شافياً لكل مشاكل العصر شرقاً وغرباً؟ وهل بات متوقعاً أن يقبل الغرب هذا الدين كعلاج لمشاكله.

وغير ذلك من التساؤلات الكثيرة التي يطرحها د. هوفمان في كتابه محاولاً الوصول إلى إجابات شافية ومقنعة لها.

في مقدمة الكتاب يقول المؤلف: إن ظاهرة بناء المساجد في العالم غرباً وشرقاً في الوقت الراهن، قد تبدو من أكثر الظواهر دلالة على أن الإسلام في الألفية الثالثة للميلاد، هو ديانة في صعود، وهي تتم بدافع من التأثر بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:

«من بنى مسجدا لله بنى الله له قصراً في الجنة» (رواه البخاري ومسلم ) وللتدليل على ذلك تكفي الإشارة إلى أن الملك فهد بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية (رحمه الله وأدخله فسيح جناته) قد أقام 60 مسجداً من ماله الخاص في العالم الممتد بين لوس أنجلوس وروما، كما أن العقد الأخير من القرن العشرين الميلادي، قد شهد افتتاح مسجد كل ست ساعات بالجهود الذاتية في تركيا.

وكذلك كثافة المناقشات الإسلامية بين المسلمين حول الموضوعات الكبرى في زماننا، مثل الديمقراطية، حقوق الإنسان، دور المرأة، وإعادة بناء حضارة الإسلام ذات الأبعاد المتكاملة المتوازنة روحيا ومادياً وخلقياً، وغير ذلك من أمور مهمة.. وأيضا الدور الجديد للخطاب الإسلامي باللغة الإنجليزية إلى جانب اللغة العربية، وإلى الحد الذي أصبح معه ما ينشر من الإسلام باللغة الإنجليزية أكثر مما ينشر باللغة العربية.

والكتاب من إصدارات مكتبة الشروق ـ القاهرة ـ الطبعة الثانية ـ 1422 هـ ـ 2002م ويقع في 273 صفحة من القطع فوق المتوسط، وهو غير مقسم إلى أبواب أو فصول على الطريقة الأكاديمية، وإنما يحتوي على عناوين جانبية داخلية، تبلغ نحو خمسة عشر عنواناً، مما جعله أكثر مناسبة وجاذبية للقارئ العادي والمتخصص على السواء.

تحت عنوان «مفتون العرب المحير» يستعرض د. هوفمان أفكار وآراء طالبين مسلمين نمطيين يعيشان في الغرب حالياً يحاول أن يصف العالم الإسلامي بعيونهما، حيث ينتمي الطالب الأول إلى ما يمكن تسميته بالإسلام الميلادي، فهو مسلم بالميلاد والجذور والبيئة، أكثر منه مسلما بممارسة الإسلام كدستور عام ومنهاج حياة.

وهو لعدم إلمامه الكافي بتاريخ حضارته الإسلامية ذات القدرة على التجدد، والصعود المشرق من جديد، فإنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من الانبهار، ربما المطلق بحضارة الغرب، التي يراها زاهرة في كل منجزاتها العلمية الظاهرة، ولذلك لا يكف عن كيل المدح لها، بدافع من افتتانه بها.

أما الطالب الثاني في الغرب، فهو على النقيض من ذلك، يمارس شعائر الإسلام، ويتبع منهاجه القويم فكراً وقولاً وعملاً، ويرى في الإسلام أملاً مشروعاً، لانقاذ البشرية مما تعانيه من أزمات في الوقت الراهن.

وهذا الطالب والكثيرون من نوعه يرفضون الغرب ـ رغم مميزاته الحضارية الراهنة ـ رفضاً باتاً، بل يلعنونه لما يرونه فيه من سلبيات في منظومته الحضارية، لعل من أخطرها تجارة العبيد والتفرقة العنصرية في الماضي، والإباحية الجنسية، وإحالة الإنسان لمجرد كائن استهلاكي في الحاضر، فضلاً عن إشعال الغرب لحربين عالميتين مدمرتين، استخدمت فيهما أسلحة كيميائية، ونووية وغير ذلك من السلبيات.

مناهج دراسية وينظر د. هوفمان في كتابه إلى هذه السلبيات ـ على سبيل المثال ـ أن هناك إحصاءات أجريت بعد عشر سنوات من زوال الحكم الشيوعي عن ألمانيا الديمقراطية، أثبتت أن النجاح لم يحالف النظام إلا من خلال محاولته فرض العقيدة الشيوعية، وتعليم الإلحاد في المناهج الدراسية، وأن خير دليل على ذلك طقوس الشبيبة، والتي طبقا لها، كان كل من يؤمن بالله يوصم بالخروج عن المجتمع، بل يعد من المهمشين.

ويعلق د. هوفمان على الرأيين المذكورين المتناقضين والمحيرين للطالبين المسلمين، ووفق رؤية موضوعية متوافقة مع منهاج الإسلام، الذي لا يقبل كل شيء بإطلاق، ولا يرفض كل شيء بإطلاق يقول:

هناك في الغرب هذه الأيام الكثير مما يدعو إلى الإعجاب والاقتداء به، وهناك أيضا بالفعل ما يتنافي تماما مع الطبيعة الإنسانية، بل ما يجرد الإنسان من إنسانيته، وأن على الإنسان المسلم أن يستفيد من إنجازات الغرب الحقيقية، وأن يقاوم أمراضه الحضارية إذ أن الانتقاء هو السبيل.

يستعرض د. هوفمان في جزء الكتاب الذي عنونه ب«الشرق المثير للتساؤل» أفكار وآراء طالبين غربيين من المعتنقين للإسلام، يصف لنا بعيونهما، كيف يرون الإسلام والعالم الإسلامي، فالطالب الغربي الأول أدى اعتناقه للإسلام إلى تحول هائل في شخصه، واكتشف في نفسه شغفاً شديداً بكل ما هو عربي وإسلامي، فاتجه لدراسة علوم الإسلام.

والذين من نوع هذا الطالب يحاولون الآن تحقيق الإسلام بدقة واتباع أدق تفاصيل سنة الرسول في أنفسهم وأسلوب حياتهم، حتى إن بعض المسلمين يتهمونهم بالرومانسية الشديدة في تناولهم للإسلام، ويتهمونهم بأنهم يتجاهلون عالمية الإسلام التي لايحدها زمان أو مكان، وهم ـ على الإجمال ـ ينظرون للعالم الإسلامي كمجتمع نموذجي بعاداته وتقاليده ومبادئه وآدابه رفيعة المستوى ومعاملاته النظيفة وأحكامه العادلة، ونظامه الشوري المتطور، وعلومه الشرعية والطبيعية القابلة للتجديد والصعود بالمسلمين.

أما الطالب الغربي المعتنق للإسلام في الغرب، فهو على النقيض من زميله السابق، فهو يرفض الهجرة للعالم الإسلامي، ويرصد سلبياته ونقائصه.

ويسوق عبارة قريبة الشبه بما قاله الشيخ محمد عبده من قبل عندما زار أوروبا، إن بالغرب قليلاً من المسلمين وكثيراً من الإسلام، وفي كثير من أجزاء العالم الإسلامي كثير من المسلمين وقليل من الإسلام.

ويعلق د. هوفمان على التناقض في الرأيين السابقين، بأنه رغم ذلك، سيظل الغرب منطلقا في بناء صروح حضارته المادية، ويظل الشرق وبخاصة العالم الإسلامي مأوى وملاذا للروحانيات، لمعرفة الله ومعايشة المقدسات، ويضيف إلى ذلك قوله: إن الغرب ليس هو من يستطيع أن يقدم للشرق شيئا، بل يمكن للشرق أن يقدم الكثير للغرب.

يتجه د. هوفمان بعد ذلك لاستشراف مستقبل العلاقات بين الغرب والشرق، مفصحا عن أن هناك الكثير مما يمكن أن يستفيده كل طرف من الآخر، ولكن كما يقول في موضع آخر، إن النظرة الإيجابية إلى المستقبل بين الجانبين يحجبها ماض سيئ يمتد لسنوات طويلة من الصراع والأحداث الأليمة، وكل ذلك يعرقل طريقا يستهدف التوجه إلى مستقبل مشرق شعاره التسامح الديني، الذي يقود إلى التعارف والتحاور والتعاون، فقد كان ومازال وسيبقى مبدأ التسامح الديني أساسا يرتكز عليه الإسلام في دعوته للعالمية، آخذاً بقوله تعالى: «لا إكراه في الدين» «البقرة: 256».

نظام لايعرف المرونة ويتجسد التسامح الديني للإسلام في مظاهر متعددة في الماضي والحاضر، مثل بقاء اليونان على مسيحيتها رغم حكم الأتراك العثمانيين لها لما يزيد على 500 سنة، وكذلك بقاء الكثير من الكنائس في العالم العربي دون المساس بها، أو بالمرتادين لها من المسيحيين، فإن مثل هذا القدر من التسامح لم يقابله ما يمثله عند أهل الغرب فهم.

ـ كما يقول د. هوفمان ـ تقلقهم، بل تخيفهم قدرة الإسلام على الاحتفاظ ببقائه ـ دون ذوبان في الآخر ـ حتى في ظل عالميته، وهذا ما دفع بالغرب إلى النظر للإسلام ـ برغم تعدديته وتنوعه الداخلي ـ على أنه شكل وكيان ذو صبغة واحدة، ونظام صارم لا يعرف المرونة، ويخشاه الغرب.

لذلك ـ وعلى سبيل المثال ـ ظهرت محاكم التفتيش في أسبانيا، التي في ظلها تم إجبار أتباع ديانات أخرى بالقوة على اعتناق المسيحية، ولذلك أيضا فإن بلدين مثل صربيا واليونان مازالا إلى اليوم يحظر فيهما بناء المساجد.. كما أن وسائل الإعلام ـ كما يقول د. هوفمان ـ تعمل جاهدة على إشعال نار الحقد، وتثبيت الأحكام المسبقة ضد الإسلام، وترسيخها في عقول الناس.

والمراقب أو المتابع لوسائل الإعلام الغربية في العشرين سنة الأخيرة ـ بحسب الجزء الذي أتى تحت عنوان «وسائل الإعلام تحت المراقبة» أنها تركز على إشاعة ما يعرف بـ «فوبيا الإسلام» أي الخوف من الإسلام، ففي الوقت الذي تقبل فيه وسائل الإعلام الغربية عادات وطقوس اليهود، وإن تماثلت أو تطابقت مع شعائر المسلمين، فإنها تصفها بالغربة والشذوذ والإبهام، بل وإنها مخالفة للدستور حين تصدر عن المسلمين.

كما تتعامل وسائل الإعلام الغربية مع الإسلام على أنه ايديولوجية أكثر من كونه ديناً وعقيدة وتصفه بالعدوانية، أي «دين حرب» يجنح إلى التعصب والعنف والإرهاب، وبأن موقفه من الفن والعلم بدائي، غير متطور، وغير ذلك من أوصاف ظالمة متعسفة وجائرة ضد دين الله الحنيف، الذي هو منها براء.

وقد أشعلت أمثال هذه الحملات الإعلامية الغربية الظالمة نار الحقد لدى أهل الغرب ضد الإسلام، بلا مبررات علمية أو موضوعية معقولة، ولعله من بين الآثار والنتائج السلبية الخطيرة لأمثال هذه الحملات الإعلامية المفتراة ضد الإسلام، أن الصرب والكروات ـ في النصف الأول من تسعينات القرن العشرين الميلادي وفي أثناء حرب البوسنة ـ قاموا بإحراق حوالي 349 أثراً إسلامياً من مجمل 591 أثراً إسلامياً حضارياً في البوسنة والهرسك.

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية :