كانت العصور الحديثة في أوروبا نتاجا لقوة الكلمة التي صدرت عن العلماء والفلاسفة والأدباء فهم قادة الرأي، وضمير الأمة، وترمومتر نبض الشعب، فيعبرون عن طموحاته وآماله، بأفكارهم، ونفاذ بصيرتهم، وحسن منطقهم، ونسقهم الفلسفي، ومنهجهم العلمي، ومن المعلوم أنهم ساهموا مساهمة نشطة في تشييد أركان هذه الحضارة الغربية في جانبها الروحي والمادي.

وتمثلت «قوة الكلمة» عند فرنسيس بيكون (1626م) في منهجه العلمي الذي أرسى قواعده، وقبل أن نشرح عناصره، نحب أن ننوه ان بيكون قد خامره إحساس عظيم بأن رسالة منوطة به وعليه أن ينهض بها، وأن عليه مهمة يجب أن يؤديها خدمة لجيله وللعالم كله فيقول: إن رسالتي هي ترقية الإنسان، وواجبي إنشاء حضارة عقلية جديدة».

ولما كان بيكون عالماً وفيلسوفاً فقد نجح في قواعد التفكير العلمي، ومنهجه يتضمن جانبين، جانب الهدم، وجانب البناء. أما الجانب الأول فيعمل على هدم كل معرفة غير علمية نحملها في عقولنا وإزالة ركام المعارف القديمة، ويحصر مجموعة الأخطاء التي يقع فيها العقل كالآتي:

1ـ أوهام الجنس، وهي الأخطاء التي نقع فيها بحكم طبيعتنا البشرية، مثل شدة الانفعال وسرعة إصدار الأحكام.

2ـ أوهام المسرح: وهي مجموعة الأخطاء التي يقع فيها الإنسان بحكم نشأته وبيئته وعوامله الوراثية، فكل منا مسجون داخل كهف خاص يحدد طبيعة تفكيره، وتوجهاته وآماله.

3ـ أوهام المسرح، وهي مجموعة الأفكار التي ورثناها عن الآباء والأجداد وأخذناها مأخذ التسليم أو قرأناها في كتب القدماء، ولم نطلب عليها دليلاً ولا برهانا. 4ـ وأخيراً أوهام السوق، وهي الأخطاء التي نقع فيها بحكم استخدام اللغة التي تحمل المترادفات، والمعاني المشتركة كأن تقول: دمر الإسرائيليون مدينة صور، فيرد عليك صاحبك قائلاً: هذا كذب وافتراء لأن مدينة صور في سلطنة عمان بخير، وقد عافاها الله، فيرد عليك ويقول: أقصد مدينة صور في لبنان. أما جانب البناء، فيتلخص في خطوات المنهج الاستقرائي كالآتي:

إذا كنا بصدد دراسة ظاهرة من الظواهر فعلينا جمع أكبر عدد ممكن من الأدلة، وتصنيفها في قوائم تتعلق بالعوامل التي تؤكد حدوث الظاهرة، وتسمى قائمة الإثبات، وفي الوقت نفسه تضع العوامل التي تنفي حدوث الظاهرة، ثم نضع قائمة ثالثة تحدد لنا نسبة الإثبات ونسبة النفي، وبهذا نستطيع الوصول إلى العامل الجوهري المؤدي لحدوث الظاهرة والمؤثرة فيها.

ولا شك أن منهج بيكون جمع بين الفكر والممارسة والنظرية والتطبيق والنظر والعمل، وأثر منهجه في الفكر الانجليزي، وساد منهجه العلمي في أوروبا وحل محل منهج أرسطو، وأخذ كثير من العلماء والفلاسفة بدعوته لتطبيق المنهج التجريبي على مظاهر الحياة المختلفة وأنشئت العديد من الجمعيات العلمية بلندن، وأكاديمية العلوم بفرنسا.