ان صيام شهر رمضان يخلص النفس الإنسانية من الشوائب والأكدار، ويجعلها ترتقي بالإنسان إلى درجة تجعله يحلق في آفاق رحبة من الرضا والطمأنينة والسكينة، الأمر الذي يجعله يخلص في كل ما يقوم به من أعمال ومنها صوم شهر رمضان، فلا يفكر الإنسان في الجوع أو العطش وإنما يفكر في أن تسلم عبادته من صوم وصلاة وغير ذلك من كل ما يشوبها أو يعتريها من نقص كي ينال رضا الله عز وجل، فالصوم سر بين العبد وربه والسعيد من يخلص في تلك العبادة ويحفظ حدود شهر رمضان.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان وعرف حدوده (أي أوامر الله فاتبعها، ومناهيه فاجتنبها في صومه) وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفظ كفّر ما قبله». (رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. قال الخطابي: قوله: إيماناً واحتساباً: أي نية وعزيمة، وهو أن يصومه على التصديق والإخلاص، والرغبة في ثوابه طيبة به نفسه غير كاره له، ولا مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه، لكن يغتنم أيامه لعظم الثواب. وقال البغوي: قوله: احتساباً: أي طلباً لوجه الله تعالى وثوابه.
يقال: فلان يحتسب الأخبار، ويتحسبها: أي يتطلبها ومن سعادة المسلم الصائم أنه في رمضان يقوى إيمانه ويزداد، لأنه يبتغي مرضاة خالقه عز وجل، كما أنه في كل عمل أو قول يصدر منه يرجو القبول، لذا تجده يتساءل عن صومه، أهو قد قبل؟ فيهنأ ويعد نفسه من السعداء، أم رفض؟ فيحاول أن يستدرك الأمر ويجتهد في عبادته وهذا ما دأب عليه المتقون المخلصون الذين لا يطمئنون إلى عبادتهم (سواء أكانت صياماً أم غير ذلك) بأنها مقبولة، فإذا عمل الإنسان بالإخلاص تقبل الله منه بإذنه تعالى، وأقبلت قلوب العباد إليه.
روي عن هرم بن حيان أنه قال: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل: إن الله تعالى يحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، فينادى في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض. (متفق عليه).
ولا شك أن الصائم المخلص في صومه هو الذي يرتكز على النية الشرعية، المتمثلة في اعتقاده القلبي أن صومه وقيامه وقراءته للقرآن وعمله الخير في رمضان إنما هو لله تعالى، فالأعمال والعبادات وسائر الطاعات مبعثها النية الخالصة.
قال تعالى: (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله) آل عمران: 29.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنية، وفي رواية بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». (رواه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي)
فالعاقل يسعى جهده في الأعمال الصالحة ومنها الصوم لله عز وجل، ويكد في دنياه وقلبه مملوء إيماناً بربه، طالباً ثوابه ورضاه.
والعبد الذي لا يصوم صوماً حقيقياً يظل يتمرغ في طين الشهوات حيث انه نظر إلى الصيام من جهة بطنه ومعدته لا من جهة الروح ومقاييس الطهر النفسي والإخلاص يكفي مع العمل القليل، روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: حين بعث إلى اليمن: يا رسول الله أوصني قال: «أخلص دينك يكفك العمل القليل». (رواه الحاكم).
ويقول الحق تبارك وتعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) البينة:5.
والحق سبحانه وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له، روي عن الضحاك بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكاً فهو لشريكي، يا أيها الناس، أخلصوا أعمالكم، فإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له، ولا تقولوا: هذه لله وللرحم، فإنها للرحم وليس لله منها شيء، ولا تقولوا: هذة لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم (أي تعطى لله وإكراماً لأشخاص) وليس لله منها شيء». (رواه البزار بإسناد لا بأس به والبيهقي).
ويظل المسلم الصائم سعيداً في حياته الروحية القائمة على الإخلاص والتي تجعله يلقى أخاه وهو مسرور ولمشاركته البناءَة له في حال السراء والضراء، الأمر الذي يقوي الروابط الإنسانية القائمة على الحب في الله لا على التصنع والافتعال والرياء.
قال حكيم: من عمل سبعة دون سبعة لم ينتفع بما يعمل: أولها: أن يعمل بالخوف دون الحذر، يعني يقول: إني أخاف عذاب الله، ولا يحذر من الذنوب، فلا ينفعه ذلك القول شيئاً. والثاني: أن يعمل بالرجاء دون الطلب، يعني يقول: إني أرجو ثواب الله تعالى، ولا يطلبه بالأعمال الصالحة، لم تنفعه مقالته شيئاً. والثالث: بالنية دون القصد، يعني ينوي بقلبه أن يعمل بالطاعات والخيرات ولا يقصد بنفسه، لم تنفعه نيته شيئاً.
والرابع: بالدعاء دون الجهد، يعني يدعو الله تعالى أن يوفقه للخير ولا يجتهد، لم ينفعه دعاؤه شيئاً، وينبغي له أن يجتهد ليوفقه الله تعالى كما قال تعالى في كتابه الكريم: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) العنكبوت: 69. يعني الذين جاهدوا في طاعتنا وفي ديننا لنوفقنهم لذلك.
والخامس: بالاستغفار دون الندم، يعني يقول: أستغفر الله ولا يندم على ما كان منه من الذنوب، لم ينفعه الاستغفار يعني بغير الندامة.
والسادس: بالعلانية دون السريرة، يعني يصلح أموره في العلانية ولا يصلحها في السر، لم تنفعه علانيته شيئاً.
والسابع: أن يعمل بالكد دون الإخلاص، يعني يجتهد في الطاعات ولا تكون أعماله خالصة لوجه الله تعالى، لم تنفعه أعماله بغير إخلاص ويكون ذلك اغتراراً منه بنفسه. فعلاج الإخلاص يكون في كسر حظوظ النفس وقطع الطمع عن الدنيا والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب. قال رويم: الإخلاص في العمل هو أن لا يريد صاحبه عليه عوضاً في الدارين.
وفي ختام اللقاء.. دعاء ورجاء: إلهي، أنت الرحيم فكيف لا أرجوك؟ أنت المعين فكيف لا أدعوك؟ من لي إذا طردتني!! ومن يرحمني إذا لم ترحمني؟!! جد علي بعفوك ورحمتك فنحن في شهر الرحمة والمغفرة، يا رب عفوك غمر كل بريتك وهأنذا بين يديك أسألك فتعطيني، وأستغيث بك فتغيثني، وأتضرع إليك فترحمني، وأستجير بك فلا تصرف وجهك عني، سبحانك من رب كريم سبحانك من رب عطوف، سبحانك جل جلالك يا الله.