من طريف ما رواه أبو الفرج بن الجوزي ورواه غيره موسعا، أن أحد الوجهاء أقام وليمة إفطار رمضانية، ودعا إليها وجهاء القوم وعِلْيةَ الناس وكان من بينهم بعض الشعراء. ولما تكامل المدعوون، وأُذِّن للمغرب أرادوا الصلاة فقدّموا رجلا يدعى يحيى بن المُعَلَّى ليصلي بهم.

فقام الإمام المذكور ولكنْ يبدو أنه تهيّب الموقف لمكانة من كانوا يصلُّون خلفه.

ولذلك فإنه في الركعة الأولى نسي أن يقرأ سورة الحمد ! وإنما بدأ بأن وقف ساكتا برهة طويلة ثم بدأ مباشرة في سورة الإخلاص! فسبح المصلون له فازداد ارتباكا حتى خلّط في سورة الإخلاص، وبالطبع لم تصحَّ الصلاة وقدموا رجلا غيره يصلي بهم فصلَّى، وبعد انتهاء الصلاة، ما كان هذا الأمر يُفلت من براثن الشعراء.

إذ التفت أبونواس إلى باقي الشعراء وقال لهم: إني سأقول فأجيزوا. أي أنه سيقول بيتا وعلى كل شاعر أن يكمل ببيت. فبدأ أبو نواس ( وهو الحسن بن هانئ المتوَفَّى سنة 198 من الهجرة ) فقال:

أكثرَ يحيَى خطأً

في (قل هو الله أحدْ)

فقال شاعر آخر:

لمْ يقرَأِ الحمدَ وما

مَرَّتْ لهُ على خَلَدْ

فقال شاعر ثالث:

ورامَ شَيْئاً غيرَ ذا

يَقْرَؤُهُ فما وجدْ

فقال العباس بن الأحنف (المتوفَّى سنة 192 من الهجرة):

قام طويلاً ساهياً

حتى إذا أعْيَا سَجَدْ

قال صريع الغواني (وهو مسلم بن الوليد المتوفَّى سنة 208 من الهجرة):

كأنَّما لِسانُهُ

شُدَّ بِحَبْلٍ مِنْ مسَدْ

فقال الخَلِيع (وهو الحسين بن الضَّحَّاك، وقد عاش نحو مائة سنة وتوفي في سنة 250 من الهجرة):

يَزْحَرُ في محرابهِ

زَحِيرَ حُبْلَى بوَلدْ

وكأنما موقف الشعراء جعل بعض الموجودين من غير الشعراء يتحمسون حتى ارتجل أحدهم بيتا أكمل به فقال:

وصوْتُهُ مُنَفِّرٌ

كأنّهُ أُنْثى أسدْ

فقام رجل آخر فقال:

فليتَنا نَمْنَعُهُ

ألاّ يُصَلِّي في البَلَدْ

وحفظ الناس الشعر حتى كان الأطفال كلما رأوا يحيى بن المعلَّى تغنَّوْا بهذه الأبيات حتى اضطر يحيى أن يغادر البلدة عاما كاملا حتى ينسى الناس هذه القصة!

الكسائي واليزيدي

دعا الرشيد بعض أخصائه للإفطار معه في رمضان وكان من بينهم علي بن حمزة الكسائي إمام الكوفة في اللغة والأدب، واليزيدي وكان من فحول علماء اللغة. ولما أُذِّن للمغرب قدموا الكسائي للصلاة بهم فقرأ في الأولى بعد الحمد سورة الكافرون فأخطأ فيها وردوه، وبعد انتهاء الصلاة قال له اليزيدي مُبَكِّتاً: عالم الكوفة يخطئ في مثل هذه السورة ؟ فسكت وحانت العشاء فقدموا اليزيدي للصلاة بهم فأخطأ في الفاتحة وردوه، وبعد انتهاء الصلاة قال له الكسائي مُنشدا:

إحْفظْ لسانَك أن تقولَ فتُبْتَلَى

إنَّ البلاءَ مُوَكَّلٌ بالمَنْطِقِ

وإلى أمسية الغد إن شاء الله تعالى.