«بديع السموات والأرض»، «صنع الله الذي أتقن كل شيء»، يدعونا الله إلى التزود من العلم، والتوسع في المعرفة، وقد أتاح الله لنا حرية البحث، وأفسح لنا مجاله فيما نفكر، ونختار، مما ينفعنا في الحياة.

والمعرفة كلها فيض من عند الله، وقبيس من نوره، والله يهدي عالم الدين فيفقهه في دينه، ويوفق عالم الدنيا إلى ما يأتي به من منافع للناس وكل ميسر لما خلق له.

وقد تسابقت الفكر في حقل العلم، حتى غدونا في مزيد من التراث الأدبي، وغمرتنا حضارة أزهى وأنضر مما كان.

فإننا نقف في ناحية معينة من هذه النهضة ـ هي ناحية الفن ـ نقف موقف المستفسر عما يراد من كلمة «الفن» فإنه ليخيل إلى أناس منا أن كل تجديد يعتبر انحرافاً يخشى منه، كما يخيل إلى آخرين أن كل تجديد يعتبر بناء، وإصلاحاً، ومسايرة لركب الحياة في وثباتها الإنشائية.

فالفن فيما يبدر إلى الفهم: عمل العبقرية والمواهب في الابتكار، والتجميل والتنسيق.

فالشاعر، والرسام، والموسيقى، والمهندس، والبناء، والنساج، وكل ذي عمل يتسع للتجديد مادياً أو أدبياً.. كل أولئك أصحاب فن إذا كانت لهم عبقرية في الإنتاج والتحسين..

وكذلك الزارع، والتاجر، بل الواعظ الديني إذا كانت له سياسة في التوجيه، وله محاولات في الإقناع، وملاطفة تجذب الأسماع إليه يعتبر فناناً في عمله هذا، ولعله أولى من سواه أن يكون ذا فن في دعوته كما رسم له الدين «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..» الآية هذا مجمل ما أفهمه من معنى الفن.

وهنا نقف وقفة ثانية بين القرآن والفن، لنرى على وجه التحديد، أو التقريب. صلة الفنون بالقرآن: هل هي صلة اتصال ومسايرة.. أو هي علاقة المضادة والمنافرة؟

تتجه إلى القرآن في ذاته فنراه أروع نموذج فني ظفرت به الإنسانية في دنياها فليس هو شعراً، ولا زجلاً، ولا سجعاً، ولا نثراً، ولا شيئاً مما يعهده الناس، وإنما هو قرآن كما سماه الله وكفى.

ولو طلب إلى الناس وضع تسمية له من عندهم لأعجزهم ذلك حتماً، كما أعجزهم أن يأتوا بمثل آية منه.

تسمع الشعر، أو النثر، فيروقك، وتسمع الغناء فيطربك، وتسمع الموسيقى فتبهرك وتثيرك، ولكن: إذا تكرر الشيء من هذا على سمعك سمته وعافته نفسك.

ولكنك تسمع القرآن فتستزيد منه، وتهتز لسحره أعطافك، ولا يصدك عنه أن يتكرر عليك حيناً بعد حين.

ولقد كان لروعته الفنية أثر أخاذ في نفس الكافرين به، حتى قال قائلهم وما هو بقول البشر.. وقد سمعه الجن فقالوا «إنا سمعنا قرآناً عجبا».

وترى القرآن في نسقه يشيد بالفن الجميل في جانب الله تعالى «بديع السموات والأرض» «صنع الله الذي أتقن كل شيء» فهذه مباهاة بالجانب الفني في صنع الله سبحانه في سماواته وأرضه، وما فيها من عوالم تتصل بهما.

ونرى في القرآن طائفة من الآيات توجهنا إلى الجمال في إبداع الكون «أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج». «ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين». «تبارك الذي جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً».

«وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت، وربت وأنبتت من كل زوج بهيج». «والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل شيء موزون».

فنحن نرى تنسيق الأوصاف لتلك المخلوقات، ونرى فيها ذكر البهجة والزينة والمباهاة بالزروع والأزهار، واختلاف ثمارها، وطعومها، وألوانها، وترى كثيراً جداً من هذا القبيل في كتاب الله، بل نرى النبي صلوات الله عليه يشيد بإتقان العمل: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه». وفى هذا كله توجيه لنا إلى ناحية الفن والإبداع فيما خلق الله لنقدره قدره، وتتأسى به، وندرك أن الدنيا يتجلى فيها الجمال، ولولا إبداعها وجمالها لكانت نعمة ناقصة إذ الجمال من تمام النعمة بالشيء.

فإذا قيل: إن الفنون الجميلة ضرورة من ضرورات الحياة، وإن الإبداع سنة من سنن الله تلقينا هذه القضية بالقبول لأن الفنون تراث لنا عن الدين واعتبرنا ذكرها في القرآن دعوة أكيدة إلى الإنتاج وإلى التجديد في مناهج الحياة، والانتفاع بمواهب العباقرة في إبراز ما تكنه الطبيعة من أسرار وعجائب.

غير أنه كلمة الفن قد اتسع مدلولها في آفاق الهوى والشهوات فتناولت أنواعاً لا تعتبر في حيز الإنتاج ولا تعميراً في دنيانا، وإنما هي غوايات تقتل روح الجد، وتصرف الجهود إلى غير ما يطلبه الفن الصحيح، وهى مباذلة هدامة للأخلاق، وترويج للميوعة وضيعة للمال في غير وجوهه الكريمة وهى هزات عنيفة في بنيان الأسر.

وإذا انتهينا إلى أن القرآن منبع الفنون الجميلة الصادقة، وأنها تتصل به اتصال الغصن الرطيب بالشجرة الفارعة فلا يكون صواباً أن نبالغ في استهجان الفنون، أو تتشاءم منها كلما ذكرت على لسان.

وكذا لا يكون صواباً أن نحسب كل غواية وضلالة من قبيل الفن الجميل كما زعموا، ولا يكون إنصافاً أن نرمي الدين ورجال الدين بكراهية الفنون الجميلة عامة.