هو عبدالرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبدالرحيم أبوزيد بن ولي الدين بن خلدون، اكتسب كنيته من اسم ابنه الأكبر حسب ما جرت عليه عادة العرب في الكنية، واشتهر بابن خلدون نسبة إلى أول من دخل الأندلس من أجداده. وهو خالد بن عثمان الذي عرف باسم خلدون وفقاً للطريقة التي جرى عليها أهل الأندلس إذ كانوا يضيفون إلى أسماء الأعلام واواً ونوناً للدلالة على تعظيمهم لأصحابها.
وكثيراً ما كان يضاف إلى اسم ابن خلدون صفة الحضرمي لأن أسرته ترجع إلى أصل يماني حضرمي، ويتصل نسبها إلى الصحابي وائل بن حجر، وقد نشأ بنو خلدون في قرمونة بالأندلس، وهي التي استقر بها جدهم خالد بن عثمان، ثم نزحوا بعد ذلك إلى اشبيلية، ثم هاجروا إلى المغربين الأدنى والأوسط، واستقر معظمهم في تونس.
ولد عبدالرحمن بمدينة تونس في عام 732 هـ الموافق 1332م، وتوفي عام 808 هـ الموافق 1406م وفي تونس تلقى بدايات العلم، فحفظ القرآن وجوده، وطلب العلم مثل غيره، فكان أول شيوخه أباه وعددا كبيرا من مشاهير علماء تونس في ذلك العهد، وعليهم درس العلوم الشرعية والعربية والظبيعية والرياضية وعلوم المنطق والفلسفة، وكان في نيته أن يتفرغ للعلم كما فعل أبوه قبله.
ولكن عندما بلغ الثامنة عشرة عاقه عن الدرس والتحصيل عائقان اثنان، أولهما وفاة أبيه وجلّ من كان يأخذ العلم عنهم من شيوخ تونس بسبب الطاعون الجارف الذي اجتاح الأرض في منتصف القرن الثامن الهجري.
وثانيهما هجرة معظم من أفلت من هذا الوباء من العلماء إلى المغرب الأقصى، ولأجل ذلك تغيرت الخطة التي كان رسمها عبدالرحمن، واتجه إلى تولي الوظائف العامة في وطنه. فكان من الطبيعي أن يخوض في بحر السياسة كما خاض الكثير من أفراد أسرته.
وقد استأثرت الوظائف الحكومية والسياسية بأكبر قسط من وقته ونشاطه في خلال فترة طويلة من عمره استغرقت زهاء خمس وعشرين سنة، أي من سنة 751 هـ إلى سنة 776 ه، ولكن هذه الانغماسات السياسية لم تكن الهدف الذي صبا إليه، ولم تكن ممثلة لاستعداده الحقيقي الذي خطط له من قبل، ولأجل هذا كان يتحين الفرص المناسبة ليعاود ما بدأه من المداومة على الدرس والتحصيل والقراءة والاطلاع.
وكانت أول وظيفة تولاها سنة 751 هـ وظيفة «كتابة العلامة» للوزير محمد بن تافراكين.
ولما زالت دولة ابن تافراكين سنة 753 ه، ترك ابن خلدون تونس ورحل مطوفاً في البلاد إلى أن حط عصا الترحال في بسكرة بالجزائر حيث قضى شتاء ذاك العام، ويبدو أنه تزوج في خلال هذه الفترة، أي سنة 754 ه، ثم رحل هو وأهله إلى قسنطينة، وفي سنة 755 هـ هاجر إلى فاس بصحبة السلطان أبي عنان سلطان المغرب الأقصى، تاركاً أهله في قسنطينة، وتولى لدى السلطان وظيفة التوقيع والكتابة، وكان لا يتولاها إلا كبار الكتاب النابغون، وهذا دليل على المكانة التي بلغها ابن خلدون في ذلك الوقت ولما يبلغ الثانية والعشرين من عمره، وهذا أيضاً يشير إلى أن شهرته في هذه النواحي أخذت تنتشر وتسمو.
قضى ابن خلدون في وظيفته للسلطان نحو سنتين (758 ـ 760) ثم عاد إلى الوظيفة وقضى فيها نحو أربع سنوات، وقد ضم السلطان إليه وظيفة ثانية هي وظيفة المظالم، وهي وظيفة تحتاج إلى علو وعلم وحكمة ورهبة..!
وقد اتيح لابن خلدون وهو بفاس أن يعاود الدرس والقراءة على العلماء الذين كانوا قد نزحوا من الأندلس وغيرها من بلاد المغرب، كما كان يختلف إلى مكتبات فاس وكانت غنية آنذاك بالكتب الإسلامية، فارتقت لذلك معارفه واتسع اطلاعه وتحققت رغبته ومطامحه الأصيلة،.
وفي هذه الفترة أيضاً انسابت شاعريته فنظم الكثير من الشعر، ثم إنه ألف معظم ما أثر عنه من مؤلفات صغيرة غير مصنفيه العظيمين، المقدمة ـ المشهورة بمقدمة ابن خلدون، وكتاب العبر ـ في التاريخ..!
وما إن أطلت سنة 764 هـ حتى رحل ابن خلدون إلى الأندلس والتحق بحاشية السلطان محمد ابن يوسف بن إسماعيل بن الأحمر النصري، فنظمه في أهل مجلسه وقربه إليه، واختصه في العام الثاني بالسفارة بينه وبين ملك قشتالة بطرس القاسي، فقام بالسفارة على أحسن وجه وكافأة السلطان بأن اقطعه إقطاعاً كبيراً من الأرض فزاد رزقه واتسعت أحواله.
ثم تكدر صفو العلاقة فغادر الأندلس مع أسرته منتصف سنة 766 هـ إلى بجاية بالجزائر حيث تولى منصب الحجابة وهو أعلى منصب سياسي في البلاد، ثم جعله السلطان خطيباً في جامع القصبة وظل ابن خلدون مواظباً على تدريس العلم بجامع القصبة بالإضافة إلى عمله السياسي.
ولما سقطت دولة أبي عبدالله وزال ملكه سنة 767 هـ أقر خليفته أبوالعباس، الإمام ابن خلدون في منصبه ثم أقاله في السنة نفسها، وقضى ابن خلدون بعد إقالته سبع سنين هو وعائلته في بكرة بعيداً عن الشؤون السياسية، وفي أوائل سنة 774 ه، هاجر مع عائلته إلى تلمسان ثم إلى فاس في منتصف السنة نفسها .
حيث أقام بها معززاً مكرماً عاكفاً على قراءة العلم والتدريس وفي سنة 776 هـ نشبت فتنة سياسية في المغرب انتهت بخلع السلطان السعيد وتنحية وزيرة المستبد ابن غازي عن الحكم.
واستيلاء السلطان أبي العباس أحمد، علي فاس، وقد وشى البعض بابن خلدون فاعتقل حيناً ثم أفرج عنه، فرحل عبر المغرب الأقصى إلى الأندلس سنة 776 هـ تاركاً أسرته في فاس، ودخل غرناطة، ولما لم يسمح له سلطان فاس بطلب أهله غادرها عائداً إلى المغرب..!!
نزل ابن خلدون في ضيافة سلطان تلمسان أبو حمو ولحقت به أسرته إلى هناك، وفيها عزم على التأليف والقراءة. ثم غادر تلمسان في أواخر سنة 776 هـ إلى قلعة بني سلامة في الجزائر ولحق به أهله حيث نزلوا ضيوفاً على أولاد عريف، وقضوا هناك نحو أربع سنين حتى سنة 780 ه،.
وفي هذا المكان البعيد الهادئ المنعزل انصرف ابن خلدون إلى تصنيف كتابه الكبير الموسوم بـ «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، مقدماً لهذا المصنف ببحث مهم في شؤون الاجتماع الإنساني وقوانينه وهو البحث الذي شهر باسم «مقدمة ابن خلدون».
وكان الشروع في تأليفه سنة 776 هـ وانتهى منه في حلقة أولى سنة 780 ه. ثم رأي ابن خلدون أن تنقيح كتابه وتكملته يقتضيان الرجوع إلى الكتب والمصادر الموفية الوافية، فشخص هو وأسرته إلى تونس، وأكب هناك أربع سنوات أخرى عاكفاً على البحث والتدريس لطلبة العلم حتى أتم مصنفه ونقحه وهذبه ورفع نسخة منه في أوائل سنة 784 هـ إلى سلطان تونس أبي العباس أحمد.
وفي سنة 784 هـ استأذن ابن خلدون السلطان في الحج، هرباً من الخوض في السياسة التي عزم من قبل على ترك أمورها، فأذن له، فترك أهله في تونس وأبحر إلى الاسكندرية فوصل إليها يوم عيد الفطر سنة 784 هـ ثم قصد القاهرة فوجد من أولياء أمورها وعلمائها أحسن ترحيب، والتف حوله الطلاب ينهلون من علمه، وأخذ يلقي دروسه في الجامع الأزهر.
وعظمت منزلته فعينه الظاهر برقوق سنة 786 هـ في منصب تدريس الفقه المالكي بمدرسة القمحية، ثم ولاه منصب قاضي قضاة المالكية وكان من أرقى المناصب القضائية والعلمية في مصر آنذاك، ولم يغادر ابن خلدون مصر في خلال إقامته التي أمتدت نحو أربع وعشرين سنة إلا ثلاث مرات، أولاها سنة 789 هـ لأداء فريضة الحج، وثانيها سنة 802 هـ لزيارة بيت المقدس، وثالثها أوائل سنة 803 هـ .
وكانت برفقة السلطان الناصر فرج وكان خرج للقاء تيمور لنك في الشام، وبعد عودة الناصر فرج إلى مصر وتركه دمشق بين يدي تيمور لنك تواجه مصيرها، أتيح لابن خلدون ان يتصل بتيمور لنك وأن يصبح من جلسائه.
ثم استأذن في العودة إلى مصر فأذن له، وفي مصر حيث نقح حتبه وأتمها، توفي فجأة في السادس والعشرين من رمضان سنة 808 هـ عن ستة وسبعين عاماً، وكان حينئذ قاضي قضاة المالكية فيها، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر.
قال الدكتور زكي نجيب محمود عنه في الموسوعة الفلسفية: «يرى ابن خلدون أن العالم أوسع من أن يحيط به عقل بشري، ولهذا فهو في الواقع يبطل الفلسفة على أساس أنها تدعي العلم بكل ما في الوجود، وتعتمد على الأقيسة المنطقية مع أن هذه الأقيسة عقلية صرف، على حين أن الأشياء المحسوسة لا تدرك إلا بالمشاهدة، ومن الضلال أن يظن بأن الإنسان قادر على معرفة العالم بالمنطق الخاص، فلابد أن تكون التجربة هي أساس علمنا بالعالم.
وليس المقصود هو التجربة الفردية، بل المقصود هو تجارب الإنسانية كلها مجموعاً بعضها إلى بعض، ولئن كانت النفس بفطرتها خلوا من المعرفة، إلا أنها بفطرتها كذلك قادرة على التفكير فيما يصلها عن طريق الحواس وعلى التصرف فيه، وفائدة المنطق ليست هي في الكشف عن علم جديد، بل هي في رسم الطريق أمامنا لنستدل مما قد جاءنا عن طريق التجربة استدلالاً صحيحاً..
وابن خلدون هو واضع فلسفة التاريخ أو فلسفة المجتمع المنبنية على تتبع الحوادث إلى عللها وكشف قوانينها، ولو استطعنا ذلك لأصبح التاريخ علماً، فمن أهم قواعد البحث العلمي التاريخي أن الحوادث يرتبط بعضها ببعض ارتباط العلة بالمعلول، أي انه لو تشابهت الظروف لتشابهت تبعاً لذلك الوقائع.
وإذا سلمنا بأن طبائع الناس ثابتة أو تكاد تكون ثابتة، كانت معرفة الحاضر معرفة صحيحة هي وسيلتنا المأمونة إلى معرفة الماضي وإلى معرفة المستقبل، ومادام الواقع الحاضر هو مدار حكمنا، وجب علينا رفض ما قد يروى لنا عن أخبار عن أخبار عن الماضي، مما نراه مستحيل الوقوع في الحاضر.
