في عصر زادت فيه وتيرة قنوات الإعلام الخارجية الموجهة، تلك التي تسعى لأخذ الإنسان العربي والمسلم من عالمه لتضعه في عالم افتراضي يختلف عن عالمه، وذلك كله تحقيقاً لهدف عولمي يتمثل في خلق ثقافة عالمية، تلح الحاجة إلى مضاعفة الدور الموكل للمؤسسات الثقافية والدينية.

والتي يناط بها الوقوف كحجر عثرة أمام هذه التيارات الجارفة، التي تهدد مستقبل الأمم، التي لا تملك أدوات حماية شبابها وتمكينهم من الوقوف بقوة وشجاعة أمام مختلف التيارات الغربية غير متأثرين بها. وهنا يبدو الأزهر كمنارة علم شامخة تقف صامدة معلنة التحدي على كل هذه العوامل الساعية لإضعاف دورها.

مؤكدة أن الدور الأزهري يتطور ويتجدد لخلق أجيال مسلمة قادرة على النهوض بهذه الأمة، وهذا ما يتضح جلياً من خلال هذا الحوار مع فضيلة شيخ الأزهر د. محمد سيد طنطاوي لـ ( وكالة الصحافة العربية ) بالقاهرة، والذي ننفرد بنشره.

* دور الأزهر ونشاطه في الماضي وفي الحاضر.. كيف ترى المستقبل ؟

ـ الأزهر كان ولا يزال وسيظل منارة وشمعة لا تنطفئ، ونوراً لا يخفت في جميع العالم الإسلامي، ليظل في مقدمة المشاعل الداعية إلى الإيمان والنور والهدى، منذ نشأته وعلماؤنا.. أساتذتنا الأجلاء يقدمون ما لديهم للنهوض بالأزهر، لذا فإنني أعاهد الله تعالى على بذل كل الجهد لأحافظ على الأزهر الشريف وأدفعه للمقدمة دائماً.

* وما حقيقة الاتهامات الموجهة للأزهر بشأن اتباع سياسة تعليمية من شأنها علمنة بعض المناهج الشرعية للأزهر كحذف أبواب المواريث والجهاد والجنايات من المراحل الثانوية والإعدادية وتخفيض ساعات القرآن فيها ؟

ـ أنا شخصياً أقول بأمانة.. إنه لا يوجد حذف، وإنما تهذيب لبعض المؤلفات، والكتب، وبالعكس فنحن أضفنا مواد جديدة، لم تكن موجودة في المناهج، ووجدنا أنه من المصلحة حذف أشياء مكررة فحذفناها، وهذا هو شأن الحياة : فلابد أن تتطور هذه المناهج من سنة لأخرى. والذي أستطيع أن أقوله في هذا الشأن أيضاً :

إن الذين يقومون بمراجعة المناهج لجان متخصصة وموجهون من الأزهر، ومعهم رئيس قطاع المعاهد الأزهرية ومعاونوه، وليس شيخ الأزهر، لأن شيخ الأزهر لا يقوم بهذه المهمة، لأنها ليست وظيفته أن يفعل كل شيء، وإنما وظيفتي هي أن أقترح، ونراجع ونناقش سوياً لمصلحة أبنائنا الطلاب لأنهم أمانة في أعناقنا.

لسنا جهة مصادرة

*هل يمارس مجمع البحوث الإسلامية القرصنة الفكرية ويصادر إبداعات المثقفين ؟

ـ تعرض علينا الأعمال الفنية والفكرية، التي تتناول الدين ونعرضها على المختصين بالمجمع، وهم يدلون بآرائهم في هذه الأعمال بأنها توافق الشريعة الإسلامية وثوابت الدين أولاً، ونرفع تقارير بتوصيات بطرح هذه الأعمال للتداول أو منعها، ونحن لسنا جهة صادرة فالمحكمة والجهات المختصة هم الذين يفعلون ذلك، ونحن كالأطباء والمهندسين كل يعرض عليه مسائل تتعلق بتخصصه.

* قراركم بشأن ضرورة حفظ طلاب الأزهر للقرآن الكريم يشغل بال الطلاب وأولياء الأمور، ماذا ترون للتيسير على الطلاب ؟

ـ أولينا اهتمامنا بهذه القضية المهمة وهي قضية حفظ القرآن الكريم كاملاً، وذلك بالنسبة لطلاب المعاهد الأزهرية في المراحل المختلفة.. وقد قررنا أن يحفظ طالب المرحلة الابتدائية ثمانية عشر جزءاً من القرآن الكريم، ويحفظ طالب المرحلة الإعدادية سبعة أجزاء من القرآن الكريم على أن يمتحن هذا الطالب في هذه الأجزاء السابقة إلى جانب الأجزاء الثمانية عشرة ، التي سبق أن حفظها في المرحلة السابقة.

كما يحفظ طالب المرحلة الثانوية الأجزاء الخمسة الباقية من القرآن ليمتحن فيها إلى جانب الأجزاء التي حفظها في المرحلتين السابقتين الإعدادية والابتدائية، وتحسب درجة الطالب كل عام بواقع 50 درجة للمقرر عليه من أجزاء القرآن، 50 درجة لما حفظه من الأجزاء قبل ذلك.

وبهذا تضمن حفظ طلاب الأزهر للقرآن الكريم قبل التحاقهم بالجامعة الأزهرية، وإلى جانب ذلك نشجع المحفظين والمعلمين والأساتذة على تقديم المكافآت السخية والحوافز المشجعة لهم ،وكذلك نقدم المكافآت والحوافز والمساعدات المادية الكبيرة للطلاب المجيدين حفظاً وترتيلاً للقرآن الكريم. إننا نعمل بكل طاقاتنا على حفظ القرآن الكريم بين الطلاب.

وسترون قريباً إن شاء الله ثمار هذا الجهد الكبير ونحن بذلك لا نقصد القسوة على طلابنا وإنما نستهدف الإصرار على الحفظ والنجاح لأبناء الأزهر الذين نريدهم أن يكونوا علماء نابهين في العلوم الشرعية الدنيوية ،كما كانوا في الماضي علماء وقادة بحق، لهم مآثر ومفاخر يحكي عنها التاريخ، فليس أزهرياً من لم يحفظ القرآن الكريم.

*الأزهر له دور كبير في تنشئة الشباب، فما هي الخطة الموضوعة لذلك ؟

ـ جامعة الأزهر تساهم بإيجابية وفاعلية في تنشئة الشاب المسلم، الذي نأمل أن يساير حركة التطور السريع في العلوم الحديثة وتقنياتها، التي جعلت العالم قرية صغيرة، وجامعة الأزهر بكلياتها العلمية والشرعية تحرص على تكوين الشاب المسلم تكويناً دينياً ودنيوياً على أسس سليمة قويمة.

كما أن مختلف الهيئات والمؤسسات التي تعني بالشباب في الدولة تقوم بدورها الإيجابي في تنشئة الباب علمياً ودينياً وثقافياً واجتماعياً ورياضياً، فوزارة التربية والتعليم تقوم بدورها المنوط بها في هذا المجال منذ التحاق التلميذ بالمدرسة في صغره حتى تخرجه، ووزارة الإعلام تقدم الجرعات الدينية والثقافية في برامجها وقنواتها الإذاعية والتلفزيونية المتعددة ،التي تساهم في تكوين وتنشئة الشباب، ووزارة الأوقاف تعمل بكل جهدها على توفير الدعاة، الذين يسهمون في تكوين الشباب وتنشئتهم تنشئة دينية سليمة.

أما الأسرة فعليها يقع عبء تنمية كل ما تقدمه الأجهزة المنوطة بتربية الشباب، حيث يبدأ ترسيخ الدين من الأبوين اللذين ينبغي أن يكونا قدوة حسنة للأبناء. والحمد لله أرى أن كثيراً من الآباء والأمهات يعرفون أمور دينهم، أما الذين يجهلون ذلك فهم يلجأون إلى علماء الأزهر الذين يجيبون عن كل تساؤلاتهم بشأن الأبناء وكيفية تنشئتهم تنشئة إسلامية سليمة، والمطلوب أن تتضافر كل هذه الجهود مجتمعة من أجل تنشئة إسلامية تواكب العصر وتواكب معطياته العلمية والتقنية الحديثة.

دفع الظلم

*ما الدور الذي يقوم به الأزهر الشريف لصالح الأقليات المسلمة في العالم ؟

ـ المشكلات التي تعاني منها الأقليات المسلمة في العالم كثيرة وصعبة، والأزهر الشريف يقدم لهذه الأقليات الدعم المادي والمعنوي في حدود إمكاناته، فنحن نبعث إليهم بالدعاة ومعلمي اللغة العربية ومحفظي القرآن الكريم ونرد على أسئلتهم واستفساراتهم، ونقدم لهم الكتب والمناهج التعليمية للاستعانة بها في مدارسهم ومعاهدهم الإسلامية..

كما نسعى من خلال الحوار والقنوات الشرعية الدولية إلى دفع الظلم عنهم ورد حقوقهم إليهم، كما نعلن تأييدنا لهم ووقوفنا إلى جانبهم، حتى يتمكنوا من الحصول على حقوقهم وحرياتهم. إننا ندعو كل القوى الشريفة والمنادين بحقوق الإنسان أن يقفوا إلى جانب الأقليات المسلمة، التي تعاني الظلم والاستبداد والقهر في مناطق عديدة من العالم.

ونحن في مصر نستقبل أبناء المسلمين من الأقليات في إفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا واستراليا، كذلك أبناء الدول العربية والإسلامية في جامعة الأزهر ونعاملهم معاملة إخوتهم الطلاب المصريين تماماً .

بل إننا نقدم إلى الآلاف منهم المنح الدراسية المجانية، ونتبناهم منذ قدومهم كما يحصلون على الرواتب التي تعينهم حتى يتخرجوا ويعودوا إلى بلادهم وذويهم علماء هداة ومعلمين للدين، إن بالأزهر الشريف طلاباً من أكثر من 70 دولة يدرسون بمعاهده وجامعته.

*ما هي تصوراتكم لآفاق التعاون بين الأزهر والمؤسسات الدينية في مصر ؟

ـ من وجهة نظري أعتبر وزارة الأوقاف ودار الإفتاء هيئتين في غاية الأهمية وعملهما مكمل بشكل كبير لجهود الأزهر، ووزارة الأوقاف على رأسها الآن د. محمود زقزوق وهو رجل عنده من العلم والكفاءة والإخلاص ما يجعله أهلاً لهذه الرسالة المقدسة، وأيضاً دار الإفتاء شريك لنا في كل شيء.. و د. علي جمعة ـ مفتي مصر ـ زميل كريم وأخ وصديق وبيننا محبة متبادلة.

*ما رأيكم في حدود الاجتهاد وضوابطه؟

ـ الاجتهاد يكون في الأمور الفرعية، ونحن كمسلمين مكلفون بأن نؤمن بكل حرف في القرآن الكريم هو كلام الله، وأن اختلاف المفسرين إنما يكون في فهم النص، فلا اجتهاد في العقائد والعبادات، فمثلاً لا نقبل من يقول لنا : صلاة المغرب ركعتان وليست ثلاث ركعات، مدعياً أن هذا اجتهاد يناسب إيقاع العصر، أهل الاجتهاد في كل علم هم المتخصصون فيه، ومن يجتهد في الدين ينبغي أن يمتلك وسائل الاجتهاد، ومن أبرزها إتقان علوم اللغة العربية والتفسير والحديث وأصول الفقه.

* ما رأي فضيلتكم في قانون وزارة الأوقاف الذي ينظم الخطابة في المساجد ؟

ـ الدعوة إلى الله لم يعارضها أحد وما فعلته وزارة الأوقاف هو تنظيم مسألة الدعوة، بحيث لا يعتلي المنبر إلا حافظ للقرآن الكريم ودارس للسنة ولديه علم بالفقه، حتى خاطب الناس يخاطبهم من منطلق نابع من كتاب الله ومن سنة رسوله ومن الفقه الإسلامي الصحيح، ولا يوجد من يكمم أفواه الدعاة.

وكل إنسان له كامل الحرية في أن يتحدث كما يشاء في حدود شريعة الله والأدب والاحترام، وأبناؤنا وزملاؤنا الوعاظ في الأزهر يشاركون مع وزارة الأوقاف في إلقاء خطب الجمعة، نظراً لقلة الخطباء ووزارة الأوقاف ترحب بخطباء الأزهر وكلنا نتعاون، والدعوة ليست حكراً على الأزهر أو الأوقاف، لكن الوزارة هي الجهة التي تتبعها المساجد وتعطي الرواتب للخطباء، والقانون فقط لتنظيم عملية الخطابة.

محكمة إسلامية

*ما مدى إسهام الأزهر وفضيلتكم في فض منازعات الأشقاء في الدول الإسلامية ؟

ـ والله أنا مطمئن جداً إلى مساعي أخي عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية، ومبلغ علمي أنه يسعى لإنشاء محكمة العدل الإسلامية، وأنا أؤيده وأؤازره وأقف إلى جواره أناشد كل الرؤساء والملوك والحكومات أن تأخذ الموضوع مأخذ الجد، لأن هذا أمر تكليف من الله عز وجل.

وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فهل إذا حدث ما يحدث بين الأخوة والأهل والأقارب من خلافات نذهب بعيداً إلى محكمة قاضيها لا علم له بشرعنا وشريعتنا، أتمنى أن يخرج هذا المشروع إلى النور والواقع قريباً.

* وأيضاً الوافدون من الدول العربية عددهم قليل ؟

ـ هذه طبيعة الحال، كل دولة الآن تحب أن تتوسع في التعليم وأن تجعل أبناءها يدرسون فيها حتى لا يتكلفوا في السفر وخلافه، وهذا أمر طبيعي أن يقل عدد القادمين إلى الأزهر من دول معينة، هناك دول من 50 سنة كانت مصر تساعدها وترسل إليها المدرسين، وتدفع مصر أجر هؤلاء المدرسين.

وهذه الدول الآن أغنى من مصر، وقد يسر عليها، فليس من المعقول الآن أن نرسل لها، وليس من المعقول أن تبقى هكذا ترسل أبناءها فهي تفتح لهم مجالات، كل دولة بها جامعات وكليات وهكذا.. هذا لا يمنع أن البعض، وإن كان قليلاً يأتي من دول العالم ليدرس في معاهد وجامعات مصر.

تكافؤ الفرص

*آثار قانون تطوير الأزهر ضجة عند تعديله.. فهل تتجه النية الآن لتعديل آخر أم أن الأمر مستقر ؟

ـ كان لخالد محيي الدين موقف مشرف عندما طالب أن تكون المرحلة الثانوية في الأزهر ثلاث سنوات بدل 4 سنوات، لأن جميع ـ فيما أعلن ـ المراحل الثانوية في الدول العربية 3 سنوات، الطالب الأزهري بعد قانون التطوير أصبح يدرس الكثير مما يدرسه في الثانوية العامة، من كيمياء وطبيعة وخلافه.

كنا نجد صعوبة كبيرة في هذا التطوير، إخواننا مدرسو المواد الاجتماعية قالوا : نحن نستطيع أن نجعل الكتاب الذي في التربية والتعليم فيما يتعلق بالمواد الثقافية نجعله هو في الأزهر، ونحن لدينا القدرة على تنظيمه وتلخيصه..

ووجدنا أن العدالة وتكافؤ الفرص يقتضيان هذا، وعرضنا هذه المسألة على مجلس الشعب كان الأستاذ خالد محيي الدين على رأس الذين أيدوا ذلك، رغم معارضة فريق آخر، لكن وجدنا الأكثرية الساحقة من أعضاء مجلس الشعب يؤيدون ذلك، تمت الموافقة على ذلك والحمد لله، وبدأنا نراجع هذه الكتب ونهذبها، ونشرح الغامض فيها..

والدراسة الآن تسير بصورة هادئة وطريقة معقولة، لأنك عندما تكلف الطالب بما فوق طاقته لن يستفيد، كلفه بما في حدود طاقته، ووضح له الأمور وبعد ذلك حاسبه، وضع امتحاناً يدل على أنه قد فهم، نحن لسنا مع التدليل أو مع الظلم، وإنما مع الاعتدال ومع التوسيط ومع إعطاء الطالب من العلوم ما هو في حدود قدرته، وما هو في حدود استطاعته وما هو يجعله يفهم الدين، ويفهم أيضاً الحياة فهماً سليماً.

القاهرة: وكالة الصحافة العربية