لا يخفى على أحد تابع تاريخ الشرق الإسلامي، ما كان لحكيم الشرق جمال الدين الأفغاني من قيمة ودور مؤثر على المستوى العام، فإذا ذكر تجديد الإسلام، لا يمكن إغفال دوره، وإذا ذكر تدخل الدول الأجنبية في شؤون دول الإسلام، لا يمكن إغفال دوره، وإذا ذكر ضعف السلطنة العثمانية وخضوعها للأهواء وسريان دبيب الفساد والنفوذ الصهيوني في أوصالها، يأتي ذكر من تعرضوا للاضطهاد، وفي مقدمتهم هذا الإمام!!، فمن يكون؟! ومن أين جاء؟!

ولد جمال الدين الأفغاني، العامل الجوهري الأول في إحياء حركة التجديد في مصر، عام 1839 في أسعد آباد بالقرب من كابل بأفغانستان، وكان والده السيد صفتر أمياً فقيراً مع أنه ينتمى نسبه إلى السيد علي الترمذي المحدث المشهور، ويرتقي إلى الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد الرسول صلى الله عليه وسلم.

وعندما بلغ جمال الدين الخامسة من عمره، أخذ يتلقى العلم في مدرسة محلية حتى بلغ العاشرة، ثم واصل الدرس والتحصيل في أماكن متفرقة في إيران وأفغانستان حتى إذا بلغ الثامنة عشرة، كان قد وقف على جميع العلوم الإسلامية المعروفة وأجاد الكثير منها، كالنحو وفقه اللغة وعلوم البلاغة والتاريخ الإسلامي وعلوم الشريعة والتصوف والمنطق والفلسفة والطبيعيات وعلم ما بعد الطبيعة والرياضيات وعلم الهيئة والطب والتشريح إلى غيرها من مختلف العلوم.

وعرض له حينذاك سفر إلى الهند، حيث أقام نحو عام ونصف، وأضاف في هذه المدة إلى ذخيرته بعض المعرفة بالعلوم والطرائق الأوروبية وشيئاً من الإنجليزية، وكان يتقن الأفغانية والفارسية والتركية والعربية، ثم بارح الهند حاجاً إلى مكة المكرمة، وطالت مدة سفره إليها حتى وافاها عام 1857.

وبعد أن أتم فرائض الحج، عاد إلى أفغانستان والتحق بخدمة الأمير الحاكم دوست محمد خان. وسار في جيشه ولازمه في حصار وفتح «هراة» التي كان يحتلها ابن عم الأمير وصهره السلطان أحمد شاه.

ولما توفي محمد خان عام 1864 خلفه ابنه (شير علي)، ونشبت الحرب بينه وبين اخوته الثلاثة واندلع لهيبها، وانضم جمال إلى محمد أعظم أحد هؤلاء الأخوة وقد ذاق حلاوة النصر ومرارة الهزيمة مرات إلى أن انتهى الأمر إليه فاتخذ جمال الدين كبيراً لوزرائه.

وكان جمال الدين حينذاك في السابعة والعشرين، ولم تلبث الحرب أن تجددت مرة ثانية وناصر الإنجليز (شير علي) وأمدوه بالمال، فظفر بأخيه واضطره إلى الفرار من البلاد ووافاه أجله بعد وقت قصير.

ولم يجاهد الأمير الجديد جمال الدين بالعداوة ولم يمسسه بسوء، وذلك لأنه كان سيداً منسباً ذا سلطان على العامة، ولكنه أضمر له الشر، فاستحسن جمال مبارحة البلاد واستأذنه للحج مرة ثانية فأذن له وسافر من أفغانستان عام 1869 .

واتجه إلى الهند فأكرمته حكومتها دون أن تبيح له الاشتغال بالسياسة أو مبادلة الرأي مع زعماء المسلمين، فلم يقم أكثر من شهر، ثم واصل السفر في باخرة من بواخر الحكومة إلى السويس وانتقل منها إلى القاهرة ليمضي بها أربعين يوماً، وتردد على الجامع الأزهر خلال مدة إقامته فيها، وخالطه كثير من الأساتذة والطلاب وحاضر من تردد منهم على محل إقامته.

وكان حين ذاك قد تحول عن الحجاز عزمه، وتعجل بالسفر إلى الأستانة فأكرم السلطان عبد الحميد وفادته إكراماً بالغاً، ورحب به العلماء وأصحاب المناصب السامية وبدأ كعادته يمتزج في حمية بحياة الدوائر التي فتحت صدرها له، ولم يضع فرصة لإعلان آرائه وإذاعة تعاليمه فما لبث أن علا ذكره وعظم نفوذه.

ولكن هذا أحفظ عليه شيخ الإسلام ـ أو شيخ السلطنة ـ وأثار في صدره الحقد والحسد، وفي أواخر عام 1870م دعاه مدير دار الفنون أو الجامعة التركية ليحاضر الطلاب في الحث على الصناعات، ومع أن جمال الدين احتاط للأمر واستوثق من رضى الكثير من أصحاب المناصب السامية عن خطابه قبل إلقائه، فإن شيخ الإسلام تمسك ببعض العبارات التي وردت به.

واتهمه باستعمال عبارات منافية للدين ماسة بحرمته، ولهجت الصحف بذكر ذلك، وأكثر من الكتابة فيه، وانبرى للرد عليها، فعظم الأمر حتى طلبت إليه الحكومة التركية مغادرة البلاد تسكيناً للخواطر، فرحل عنها إلى مصر، ووافى القاهرة في 22 مارس سنة 1871، ولم تكن له عزيمة على الإقامة بها طويلاً ولكن رياض باشا الذي كان ناظر النظار لعهده، جعل الحكومة المصرية، تجري عليه عشرة جنيهات في الشهر تقديراً لفضله وإجلالاً لمكانته، فاستماله هذا إلى الإقامة في مصر.

ولما ذاع نبأ وصوله، التف حوله كثير من طلبة العلم المجدين، فقرأ لهم بعض الكتب العالية في الكلام والفلسفة وأصول الفقه والهيئة والتصوف. ثم وجه عنايته إلى إعداد جيل من الكتاب الناشئين ليذيعوا في الناس آراءه الجديدة، فحمل تلامذته المبرزين على العمل في الكتابة وإنشاء الفصول في الصحف.

وولى وجهه بعد هذا شطر السياسة المصرية، وبذل جهداً منقطع النظير في تنبيه البلاد إلى مضار التدخل الأجنبي في شؤونها، وكشف عن سوءات الرقابة الأجنبية التي فرضت عليها، ولم تكتم مقالاته في الصحف عداءه للإنجليز، وظل نشاطه متصلاً نحو ثمانية أعوام.

وكان مما لا مفر منه أن يحدث بموقفه هذا المعارضة له، فقد قاوم العلماء المحافظون آراءه الطريفة، واتخذوا سبيلاً للطعن عليه، من قراءته للفلسفة التي كانت الدوائر المحافظة تحرم دائماً النظر فيها، وتعدها عدوة للدين الصحيح.

وأثارت أعماله السياسية شبهات الحكومة في نواياه، ورابت ـ من الارتياب ـ على وجه خاص الموظفين البريطانيين، وكانت مصر حينذاك قد أخذت شؤونها المالية تتدهور في سرعة وأشرفت على الإفلاس، فأدى هذا إلى التدخل الأوروبي، ثم إلى عزل الخديوي إسماعيل الذي أسرف كثيراً في صبغ البلاد بالصبغة الأوروبية، وانتهت جهوده بهذه الخاتمة السيئة، وخلفه ابنه توفيق في 25 يونيو سنة 1879.

وكانت عناصر التحرير التي نشر لواءها جمال الدين، وقوي سلطانها في البلاد، تتوسم إنفاذ إصلاحات عظيمة على يدي توفيق، ويظهر أنه قبل ارتقائه إلى العرش كان قد عاهد جمال الدين وخاصته، على أنه إذا آل إليه الأمر، أيدهم في جهودهم الإصلاحية، ولكنه لم يكد يرتقي العرش حتى أصدر أمره في سبتمبر سنة 1879 بإخراج جمال الدين من مصر هو وتابعه الفارسي المخلص أبو تراب، ففارق مصر إلى الهند وأقام في حيدر آباد وهناك صنف بالفارسية كتابه (في الرد على مذهب الدهريين) .

وهو المصنف الوحيد الذي كتب له البقاء من دون سائر مصنفاته المبسوطة، دافع فيه عن الإسلام، وربما يظن البعض أنه المؤلف الوحيد الذي كتبه، وهذا غير صحيح، لأن كتبه تصادر، وحتى مجلة العروة الوثقى كانت تتعرض للمصادرة، وتمنع من دخول الدول التي للاستعمار نفوذ فيها!

وفي عام 1882 كانت حركة الشباب المصريين التي نماها جمال الدين، قد انتهت إلى الفتنة العرابية وما تلاها من احتلال بريطانيا لمصر، وعندما كانت الفتنة قائمة في مصر على ساق وقدم، دعته حكومة الهند من حيدر آباد، وألزمته بالإقامة في كلكتا. وأقامت عليه الرقباء، حتى إذا خفتت الحركة الوطنية المصرية، أباحت له الحكومة مغادرة الهند، فذهب إلى لندن وبقي بها أياماً قليلة ثم بارحها إلى باريس وأقام بها ثلاث سنوات.

ولما وصل باريس، استقبل عهداً جديداً للدعاية الدولية النشطة، فنشر آراءه السياسية في الصحف الفرنسية، وكان حينذاك قد أحسن لغة الفرنسيين، وأقبل القراء على مقالاته وصادفت انتباهاً شديداً من الحكومات الأوروبية ذات المصالح في البلاد الإسلامية، وبخاصة الحكومة البريطانية.

وفي عام 1883، ثار بينه وبين أرنست رينان حوار في جريدة الديبا في موضوع «الإسلام والعلم» وكانت المناقشة تدور بينهما. حول صلاحية الإسلام للإصلاح وقابليته للمدنية الحديثة.

وفي العام التالي دعا إليه صديقه وتلميذه الشيخ محمد عبده، وكان حينذاك منفياً من مصر لاشتراكه في ثورة عرابي، فوافاه إلى باريس وبدءا معاً في إصدار صحيفة عربية اسمها «العروة الوثقى» كان غرضها دعوة المسلمين إلى توحيد جهودهم لمكافحة الاعتداء الأوروبي ومناهضة الاستعمار.